
أقلام الصمود.. الخرطوم تستعيد صوتها
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*لم تكن العودة إلى مقر اتحاد الصحفيين في منطقة المقرن بالخرطوم مجرد استئناف لعمل إداري أو مهني توقف لثلاث سنوات عجاف، بل كانت إعلاناً سياسياً ومعنوياً بأن معركة “الكرامة” قد انتقلت إلى مربع جديد؛ مربع استعادة السيادة وتثبيت أركان الدولة من قلب عاصمتها التاريخية.
*تزامن هذا الحدث مع الذكرى السبعين للاستقلال، ليحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالصحافة التي دمرت المليشيات مقارها، وأحرقت مطابعها، واستهدفت إذاعتها وتلفزيونها الرسمي، تعود اليوم لتقول إن “الكلمة” لا تموت برصاص الغدر، وأن محاولات التغييب الإعلامي وتزييف الوعي عبر الغرف المضللة قد تحطمت أمام صخرة الوطنية الصحفية. لقد اختار الصحفيون، ومنذ اليوم الأول للحرب، الوقوف في خندق الدولة والقوات المسلحة، ليس انحيازاً لجهة سياسية، بل دفاعاً عن كيان الوطن ومؤسساته التي تعرضت لدمار ممنهج.
*لقد أثبتت هذه الحرب أن “الطلقة” قد تقتل فرداً، لكن “الشائعة” قد تروع شعباً بأكمله. وهنا تبرز أهمية العودة لممارسة العمل الإعلامي من داخل الخرطوم؛ فالمواطن الذي تعرض للتضليل وبث الرعب يحتاج اليوم إلى الإعلام الوطني الصادق الذي ينقل له حقائق الميدان، ويطمئنه بعودة الخدمات، ويشجعه على العودة لمنزله. إن تمليك المعلومات للإعلام المحلي أولى من تزويد القنوات الخارجية بها، لأن الصحفي السوداني هو الأقدر على فهم تفاصيل الوجع الوطني والحرص على تضميد جراحه.
*رغم التصدع الذي أصاب الجدران والمقر الحالي بفعل آلة الحرب، إلا أن روح الإصرار لدى الكيان الصحفي تتطلع إلى ما هو أبعد من مجرد الترميم. إن المقترحات بنقل النشاط إلى مساحات أوسع لتكون نواة لمركز إعلامي ضخم تعكس رؤية مستقبلية تهدف لجمع شتات المهنة وإعادة بناء قدرات الصحفيين الذين فقدوا كل شيء إلا كرامتهم المهنية.
*ما شهدناه من تعهدات رسمية بصيانة الدار، وتوفير الطاقة البديلة، وإدخال الصحفيين تحت مظلة التأمين الصحي، ليس منحة بل هو واجب مستحق تجاه فئة ظلت تخدم في ظروف بالغة التعقيد، بل وأسهمت حتى في العمل الإنساني والصحي عبر مبادرات نوعية في الحارات والمناطق المتأثرة.
*إن تدشين العمل من الخرطوم في مطلع عام 2026 هو انتصار للوعي على التضليل، وللبناء على الدمار. لقد انتصر الصحفيون لنفسهم حين قرروا العودة إلى المقرن، لينطلق منها صوت السودان الحر، معلناً أن الخرطوم لا تزال تنبض، وأن أقلامها لن تنكسر.