
وادي النيل.. حينما يبدأ الإعمار من سواعد الشباب
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*بينما تنشغل الصالونات السياسية في رسم خرائط المسارات وتصميم التحالفات المعقدة، تبقى الحقيقة الراسخة على أرض الواقع هي أن الدول لا تُبنى بالوعود، بل بالسواعد.. ومن هنا، تكتسب المباحثات الأخيرة التي احتضنتها القاهرة مؤخرا بين وزيري العمل السوداني والمصري أهمية تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، لتضع يدها على الجرح الغائر في جسد الدولة السودانية: كيف سنبني ما دمرته الحرب؟ وبأي أدوات؟.
*لقد كشفت الحرب في السودان عن هشاشة الهياكل الإنتاجية، وأحدثت نزيفاً حاداً في القوى العاملة الماهرة التي كانت تُشغل المصانع والمزارع والورش. واليوم، ونحن نتحدث عن إعادة الإعمار، لا ينبغي أن ينصرف ذهننا فقط إلى صب الخرسانة وتعبيد الطرق، بل يجب أن يكون الاستثمار الأول والأنبل في رأس المال البشري.. وهنا تبرز التجربة المصرية ليس فقط كخيار متاح، بل كنموذج استراتيجي أثبت نجاحه في إدارة الأزمات التنموية الكبرى والعبور من مرحلة الجمود إلى النهضة الشاملة.
*إن تعهد القاهرة بوضع كافة إمكانياتها التدريبية والفنية تحت تصرف السودان، (دون بخل)، هو تجسيد حقيقي وعملي لمفهوم المصير المشترك الذي يربط ضفتي النيل. فالسودان لا يحتاج في هذه المرحلة الحرجة إلى قروض ترهق كاهله بتبعات الديون، بل يحتاج إلى نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا. إن استنساخ تجربة مراكز التدريب المهني المتنقلة هو الحل العبقري لمواجهة تحديات الجغرافيا السودانية المعقدة؛ فهذه الوحدات هي بمثابة “جامعات تكنولوجية مصغرة” يمكنها الوصول إلى الشباب في قرى الجزيرة، وأطراف كردفان، وأصقاع دارفور، لتعلمهم كيف يرممون بيوتهم، وكيف يديرون مصانعهم، وكيف يحولون الموارد الخام إلى منتجات تنافس عالمياً
*إن التركيز على قطاعات مثل البناء والتشييد، والصناعات الغذائية، والنسيج، هو اختيار ذكي يلمس عصب الاقتصاد السوداني وقوته الضاربة. فنحن أمام فرصة تاريخية لتحويل الأزمة إلى منحة، عبر تدريب جيوش من الشباب العائدين من النزوح ليتحولوا إلى (مقاولي إعمار) ومبتكرين في التصنيع الزراعي، بدلاً من أن يكونوا لقمة سائغة في فوهة النزاعات المسلحة أو وقوداً لطموحات الهجرة غير الشرعية عبر البحار.
*من الناحية السياسية، فإن استقرار السودان وتنميته هو صمام أمان للأمن القومي المصري، تماماً كما أن قوة مصر التقنية هي السند الاستراتيجي للخرطوم. هذه الشراكة التي تتبلور ملامحها اليوم في القاهرة، يجب أن يُنظر إليها كحجر الزاوية في عقد اجتماعي جديد للسودانيين؛ عقد قوامه العمل والإنتاج والاعتماد على الذات. فالاستقرار السياسي لن يتحقق فوق رمال متحركة من الفقر والبطالة، بل فوق أرضية صلبة من الوظائف الكريمة والمهارات الحقيقية التي تعين الشاب على بناء مستقبله بيديه.
*يا سادة، إن إعمار السودان يبدأ من هنا.. من تلك الورش المتنقلة، ومن تبادل الخبرات مع الشقيقة مصر التي قطعت شوطاً كبيراً في تحديث منظومة العمل والإنتاج. هي دعوة صادقة لكل المسؤولين في بلادنا لالتقاط هذا القفاز، وتحويل مذكرات التفاهم إلى ورش عمل حقيقية تنبض بالحياة في كل ولاية. إن التاريخ لن يرحم المتقاعسين، والشباب السوداني المتعطش للبناء لن ينتظر طويلاً خلف أبواب الانتظار الموصدة.
*إنها لحظة الحقيقة.. ولحظة العمل الوطني الخالص، فهل نحن مستعدون لبناء سودان المستقبل بسواعد لا تعرف المستحيل؟.