آخر الأخبار

فك الاشتباك الإداري وإعادة الاعتبار للإنسان قبل الإجراءات

أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

 

*ليست المؤسسات العريقة مجرد مبانٍ ولوائح وقرارات، وإنما هي قبل كل شيء إنسان.. فإذا شعر الإنسان داخل المؤسسة بأنه حاضر في أوقات الرخاء وغائب في أوقات الشدة، فإن الخلل لا يكون في خدمة بعينها، وإنما في فلسفة الإدارة ذاتها.

 

*ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن التأمين الصحي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لا ينبغي أن يقتصر على استمارات أو بطاقات علاجية، بل يجب أن يُقرأ في سياق أوسع فرضته تداعيات الحرب، وما خلّفته من آثار بالغة على العاملين وأسرهم.

*لقد فرّقت الحرب العاملين بين الولايات، وتعذر على كثير منهم الوصول إلى مقار العمل، وتعرض بعضهم للنزوح وفقدان مصادر الاستقرار، بينما واجه آخرون ظروفًا صحية ومعيشية صعبة.. وفي خضم هذه الأوضاع، كان المنتظر أن تكون الرعاية الصحية من أول الحقوق التي تحرص المؤسسة على استمرارها، لا سيما أنها ليست خدمة مجانية، بل خدمة تُموَّل عبر استقطاعات من مرتبات العاملين، إلى جانب الدعم الذي تقدمه الدولة. ومن ثم، فإن استمرارها يمثل وفاءً بالتزام قائم، وليس استحداثًا لخدمة جديدة.

*وعندما توقفت هذه الخدمة مع اندلاع الحرب، وجد كثير من العاملين أنفسهم يواجهون المرض وتكاليف العلاج في ظروف استثنائية، دون أن تكون لديهم المظلة التي ظلوا يسهمون في تمويلها. لذلك، فإن استئناف الخدمة اليوم ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إعادة حق إلى أصحابه، وأن يصاحبه توضيح للإجراءات المتخذة لضمان استمراريته وعدم انقطاعه مستقبلًا

*ولعل ما يزيد هذا الملف حساسية أن هذه الأيام  شهدت ظروفًا صحية عصيبة لعدد من أبناء الهيئة. فقد لازم المرض الزميل *أزهري إبراهيم عبدالوهاب، الإذاعي الأشهر وصاحب المواقف المشرفه خضع  لعملية قسطرة بالقلب وتركيب دعامات  في ظل ظروف بالغة التعقيد لكما خضع المخرج الإذاعي القدير صاحب الروائع حسب الرسول كمال الدين لعملية قسطرة بالقلب وتركيب دعامات في القاهرة..  وقد فاقت كل عمليه على حدا المائة الف جنيه مصري.. والكل يعرف الظروف والاوضاع الاقتصادية القاهرة. ورغما عن ذلك  لبّى الزملاء والأصدقاء نداء المساندة بسرعة، في مشهد يعكس أصالة المجتمع  الإذاعي بصفه الخصوص والإعلامي  السوداني بصفه عامة  روح التكافل بين أبنائه.

 

*لكن هذا المشهد الإنساني  طرح سؤالا أين العلاج عبر التأمين الصحي للعاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون..ولماذا توقفت خدماته رغم أنها عادت لعدد من المؤسسات؟ وغير ذلك من الاسئله.. ومن بينها سؤالًا مشروعًا عن أي علاج نتحدث، إذا كان بعض العاملين يواجهون ظروفًا صحية بالغة الصعوبة، بينما يظل اهتمام المؤسسة – في نظر كثيرين – منصبًا على الإجراءات أكثر من المبادرات الإنسانية.. إن العامل لا يحتاج إلى استمارة فحسب، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن مؤسسته تقف إلى جانبه في لحظات المرض والضيق.

*ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بالتأمين الصحي وحده، وإنما بطريقة إدارة الملفات داخل المؤسسة. فالإدارة الرشيدة تقوم على ترتيب الأولويات، وعلى وضوح الاختصاصات، وعلى حوكمة تضمن عدم تداخل المسؤوليات.. أما عندما تتقاطع الأدوار وتتشابك الصلاحيات، فإن ذلك ينعكس على سرعة اتخاذ القرار، وجودة الخدمة، وثقة العاملين في مؤسستهم.

*ومن هذا المنظور، فإن إعادة النظر في توزيع الاختصاصات، ومراجعة الهيكل الإداري، وتحديد مسؤوليات الإدارات واللجان بصورة دقيقة، ليست مسائل تنظيمية فحسب، بل هي مدخل أساسي لإصلاح المؤسسة واستعادة فاعليتها.

*كما أن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة أوضاع جميع العاملين الذين تأثروا بالحرب، والعمل على تسوية ملفاتهم الإدارية والمالية وفق معايير معلنة وعادلة، مع وضع آليات مرنة لتقديم الخدمات، تراعي واقع من تعذر عليهم الحضور بسبب ظروف النزوح أو البعد الجغرافي.

*إن إعادة بناء الثقة لا تتحقق بالبيانات وحدها، وإنما بالممارسة اليومية. والثقة تنمو عندما يشعر العامل بأن حقوقه مصونة، وأن مؤسسته لا تتذكره في سجلات الاستقطاعات فقط، بل تتذكره أيضًا حين يمرض، وحين يتعثر، وحين يحتاج إلى من يسانده.

*إن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تمتلك تاريخًا مهنيًا كبيرًا وكفاءات وطنية مشهودًا لها، وما تحتاج إليه اليوم هو أن تجعل الإنسان محور الإصلاح، وأن تنظر إلى التأمين الصحي باعتباره جزءًا من منظومة حماية اجتماعية متكاملة، لا إجراءً إداريًا منفصلًا

*فإذا نجحت المؤسسة في إعادة ترتيب أولوياتها، وفك الاشتباك الإداري، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، وضمان استدامة حقوق العاملين وفي مقدمتها الرعاية الصحية، فإنها لن تستعيد ثقة منسوبيها فحسب، بل ستضع أساسًا متينًا لمستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، يليق بتاريخها ورسالتها الوطنية.