الألقاب وحدها لا تحسم الجائزة.. نجم ريال مدريد يتفوق بـ3 بصمات استثنائية
يبدو سباق جائزة الكرة الذهبية غريبًا هذا العام، فلأول مرة منذ أعوام طويلة، لا أحد يمكنه توقع الفائز بسهولة، أو حصر الصراع على مرشحين، ولا حتى 3 مرشحين.. الجائزة غير محسومة، وكل الاحتمالات واردة.
ما لا يقل عن 7 مرشحين يمكنهم الفوز بالكرة الذهبية في لندن يوم 26 أكتوبر الجاري، لكل منهم الأسباب التي تجعله الأحق بالجائزة، لكني أرى المشهد من زاوية معينة، ووجهة نظري تحتمل الصواب والخطأ.
الإجابة كيليان مبابي

مرشحي للكرة الذهبية هذا العام هو كيليان مبابي، نجم ريال مدريد.. والسبب بسيط، معايير الجائزة تقول إن الأداء الفردي الحاسم، والتأثير داخل المستطيل الأخضر، يأتي في المرتبة الأولى، أي قبل الإنجازات الجماعية والبطولات التي حققها اللاعب مع فريقه أو منتخب بلاده، ثم السلوك واللعب النظيف.
رغم تحفظي على بعض تصريحات مبابي، التي اتسمت بالغرور الواضح، والثقة الزائدة، إلا أنه يستحق شيئًا استثنائيًا في 2026، لأنه بالفعل قدم عامًا مميزًا على المستوى الفردي، لكن لم تخدمه الظروف جماعيًا، لا مع ريال مدريد ولا مع فرنسا.
صحيح أن مبابي الوحيد بين المرشحين الرئيسيين للجائزة الذي يدخل السباق بـ”صفر ألقاب جماعية”، وفي الظروف العادية، عندما لا تتوج بدوري أبطال أوروبا أو كأس العالم يكون من الصعب الإيمان بفرص تتويجك بالكرة الذهبية، لكن لا يجب أن ننسى أن نجم ريال مدريد هيمن على كل الجوائز الفردية الرئيسية خلال الموسم الماضي.
مبابي هو هدّاف الدوري الإسباني برصيد 25 هدفًا في موسم للنسيان بالنسبة لريال مدريد، جاء فيه ثانيًا خلف برشلونة.. مبابي هو هدّاف دوري أبطال أوروبا بـ15 هدفًا في موسم لم يستطع فيه الملكي الوصول حتى إلى نصف النهائي.. مبابي هو هدّاف البطولة الأهم، كأس العالم 2026، بـ10 أهداف، والهدّاف التاريخي للبطولة بـ22 هدفًا، رغم أن المنتخب الفرنسي لم يحصل على أي ميدالية.
أن تجمع بين هذه الألقاب الفردية الثلاث في موسم واحد، فيجب أن تكون أحد أقوى المرشحين لجائزة معيارها الأول هو الأداء الفردي والتأثير.
الأمر الذي خدم النجم الفرنسي ورشحه إلى أن يكون أحد المنافسين بقوة على الجائزة أن الفريقين اللذين توجا بدوري الأبطال وكأس العالم يرفعان نفس الشعار “الفريق هو النجم”.
فمنذ أن جاء لويس إنريكي إلى باريس سان جيرمان عمل على التخلص من فيروس النجوم، وبعد أن كان الفريق الفرنسي مكانًا يضم كيليان مبابي، وليونيل ميسي، ونيمار دا سيلفا، وسيرجيو راموس معًا، تحول إلى فريق بلا “نجم شباك”، يعتمد في الأساس على الجماعية في الأداء، وبالفعل نجح هذا الأسلوب في قيادة الفريق إلى 4 ألقاب أوروبية متتالية (2 في دوري الأبطال، ومثلهما في كأس السوبر).
على الجانب الآخر، يملك لويس دي لافوينتي نفس السلاح، ونجح في الفوز بلقب كأس أمم أوروبا 2024، ثم كأس العالم. وهنا لا يمكن اعتبار لامين يامال واجهة إنجاز الماتادور في المونديال، لأنه لم يقدم أرقامًا لافتة، واكتفى بهدف وتمريرة حاسمة، كما لم يكن مستواه العام مميزًا بما يكفي خلال البطولة.
مبابي قد يتوج بالكرة الذهبية الأولى في مسيرته في موسم لم يحقق فيه أي لقب جماعي، على طريقة مثله الأعلى كريستيانو رونالدو في 2013.
وقتها لم يحصد رونالدو أي لقب كبير مع ريال مدريد أو المنتخب البرتغالي، لكنه تسلح بحصيلة تهديفية إجمالية وصلت 69 هدفًا، متفوقًا بفارق هائل على كل من ليونيل ميسي، الذي عانى من الإصابات في ذلك العام، وفرانك ريبيري، المتوج بخماسية تاريخية مع بايرن ميونخ إلا أن تأثيره فيها كان محدودًا، كذلك كان للنجم البرتغالي فضل كبير في تأهل متخب بلاده إلى كأس العالم 2014 بتسجيله 4 أهداف في مباراتي الملحق ضد السويد.
هاري كين.. ماكينة أهداف

إذا كان مبابي الأحق بالكرة الذهبية بسبب تأثيره الفردي الكبير خلال الموسم الماضي، فإن هاري كين، نجم بايرن ميونخ ومنتخب إنجلترا، هو الآخر يستحق الحصول على المركز الثاني لأول مرة في مسيرته.
النجم الذي قضى معظم مسيرته محبوسًا بين جدران توتنهام يستحق هذه المكانة هذا العام بعد أن انفجر تهديفيًا، وحصل على الحذاء الذهبي كأفضل هدّاف في الدوريات الأوروبية بـ36 هدفًا، كما سجل 72 هدفًا في كل البطولات مع بايرن والمنتخب الإنجليزي.
نقطة قوة كين هي فوزه بالحذاء الذهبي، لكنه تفوق على مبابي وإرلينج هالاند وباقي نجوم أوروبا بفضل أهدافه في شباك الأندية الألمانية، التي تُصنف أقل قوة من نظيرتها الإنجليزية أو الإسبانية. في المقابل لم يستطع الإنجليزي هزيمة منافسه الفرنسي فرديًا في مسرحين، دوري الأبطال وكأس العالم.
كين كان ماكينة أهداف، لكن مبابي كان هدافًا في كل مكان احتاج فيه فريقه إلى نجم يحسم. ومن هنا جاءت أفضلية لاعب ريال مدريد.
هذا لا يعني أن الجائزة ترتكز على الأهداف فقط، لكن لا أحد ينكر أن مبابي قدم موسمًا رائعًا بعيدًا عن الأهداف، خصوصًا في كأس العالم.
إلى جانب حصيلته التهديفية، فإن كين كان مؤثرًا في فوز بايرن ميونخ بـ3 بطولات، الدوري والكأس وكأس السوبر، فضلًا عن تتويج منتخب إنجلترا ببرونزية المونديال، ولهذا السبب فإنه يستحق التواجد كثاني أفضل لاعب في العالم.
يامال.. المتعة لا تكفي

لا يمكن إغفال الأداء الذي قدمه لامين يامال، نجم برشلونة ومنتخب إسبانيا الشاب، لكن برأيي فإن موقعه لا يجب أن يتخطى المركز الثالث في سباق الكرة الذهبية.
يامال، الذي توج بلقب فردي وحيد في الموسم الماضي (أفضل لاعب في الدوري الإسباني)، فاز أيضًا بألقاب الليجا، وكأس السوبر الإسباني، وكأس العالم.
قد يبدو الفوز بالدوري الإسباني، أحد أقوى الدوريات الأوروبية، وكأس العالم، في موسم واحد كافيًا لحسم الكرة الذهبية، لكن الواقع يقول إن يامال لم يكن حاسمًا بما يكفي في البطولتين.
النجم الشاب سجل 16 هدفًا مع برشلونة في الدوري الإسباني، وهو حتى لم ينفرد بقائمة هدّافي فريقه بالمسابقة، إذ شاركه فيران توريس بنفس الرصيد، وكلاهما سجل أقل بفارق 9 أهداف كاملة عن المتصدر مبابي.
أيضًا مهما كان دورك التكتيكي لا يمكن أن تفوز بالكرة الذهبية بعد أن سجلت هدفًا واحدًا (جاء ضد السعودية)، وصنعت هدفًا آخر في كأس العالم.
لا يستطيع أحد أن ينكر أن يامال أحد أفضل اللاعبين في العالم، فهو لاعب من عينة الأساطير رغم صغر سنه، كونه يجمع بين الأداء المهاري الساحر، الذي يمتع الجماهير، وتسجيل الأهداف، وهي معادلة لم يحققها سوى عدد محدود من النجوم.
لكن من غير المنطقي أن يطالب يامال في تصريحاته بالفوز بالكرة الذهبية “لأنه يمتع الجماهير أكثر من غيره”.. ببساطة معايير الجائزة لا تعترف بذلك.
مَن يقترب من الثلاثة؟
من الصعب ترتيب المراكز التالية في قائمة الـTop 10، لأن هناك أكثر من نجم يستحق التواجد في مراتب متقدمة بالسباق.
في رأيي يتقدم هؤلاء رودري، قائد المنتخب الإسباني وحامل لقب الجائزة في العام قبل الماضي، فرغم الإصابة التي عطلت انطلاقة موسمه مع مانشستر سيتي إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أنه “أفضل لاعب” في البطولة الأهم، كأس العالم.
ولأن معيار “التأثير داخل الملعب” لا يقتصر على تسجيل الأهداف فقط، فإن رودري قام بأدوار واضحة في الربط بين خطوط المنتخب الإسباني في المونديال، كما كان قائدًا داخل الملعب، وفي غرف الملابس.
وهناك أيضًا 9 نجوم من باريس سان جيرمان توجوا بلقب دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، يأتي على رأسهم عثمان ديمبلي، وخفيتشا كفاراتسخيليا، وإن كان الأخير حظوظه أضعف كونه لم يشارك في كأس العالم.
كما يبرز أيضًا فابيان رويز، الذي جمع بين دوري الأبطال وكأس العالم في إنجاز نادر عبر التاريخ، وهذا لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة، وبصراحة لن أتفاجأ إذا قرأت اسمه بين الـTop 5.
ديمبلي وكفاراتسخيليا ورويز هم الثلاثي الذي رشحه ناصر الخليفي، رئيس سان جيرمان للجائزة بين نجومه العشرة الحاليين المتواجدين بالقائمة، بعد إضافة فيران توريس، المنضم مطلع الموسم من برشلونة.
ميسي.. التاريخ لا يصوّت

قد يتساءل البعض عن سبب استبعاد ميسي حتى من قائمة الـ10 الأوائل، الرد ببساطة لأنه لم يحقق إنجازًا كبيرًا طوال الموسم بخلاف تألقه في كأس العالم، إذ أن المنافسة ضعيفة للغاية في الدوري الأمريكي.
مع احترامي للقيمة التي تمثلها كأس العالم، لكن لا يمكن اختصار الموسم كاملًا في 8 مباريات، خصوصًا أن ميسي لم يتوج باللقب في النهاية، أو يفوز بجائزة الهدّاف أو أفضل لاعب، كما أنه فقد لقب الهدّاف التاريخي، فلماذا يفوز بالكرة الذهبية على حساب نجوم آخرين نافسوا في أقوى الدوريات، وتفوقوا عليه في كأس العالم فرديًا وجماعيًا؟
كما تابع الجميع ظروف المباريات التي خاضها ميسي في المونديال، والجدل التحكيمي الذي صاحبها، إضافة إلى ذلك فإن قائد إنتر ميامي لم يهز الشباك في المراحل الحاسمة، إذ عجز أمام سويسرا وإنجلترا وإسبانيا على الترتيب.
أرى أن كل التصريحات التي ترشح ميسي للفوز بالجائزة للمرة التاسعة هي “تصريحات عاطفية” تستند إلى تاريخ اللاعب الكبير في كرة القدم، خصوصًا أولئك الذين يقولون إنه “الأحق بالجائزة في كل عام طالما بقي في الملعب ولم يعتزل”.
هذا الأمر ينطبق أيضًا على من يطالب بترشيح كريستيانو رونالدو ليدخل قائمة أفضل 5 أو 10 لاعبين في العالم لمجرد أنه فاز بلقب الدوري السعودي، وإن كان استبعاد الدون نهائيًا من قائمة المرشحين (لحساب زميله ساديو ماني مثلًا) أمر بالغ القسوة، وأعتقد أن هذا الاستبعاد جاء بسبب تصريحات سابقة للاعب تشكك في مصداقية الجائزة.
إذا كانت الكرة الذهبية تضع في معاييرها مسيرة اللاعب لكان ميسي أول المرشحين للفوز بها هذا العام، لكن عذرًا تاريخك لن ينفعك يا ليو