الإعلام الولائي.. الواقع المُر (1)
- الإعلام الولائي لن ينصلح حاله في ظل المحاصصات والتبعية السياسية
- مليون و500 ألف جنيه في الشهر فقط ميزانية إدارة الاعلام بولاية سنار
- دمج وزارة الإعلام مع وزارة التعليم مشكلة كبرى تواجه الإعلام بولاية سنار
- يجب هدم الهيكل الوظيفي الإعلامي الحالي وبناء هيكل جديد ينصف الإعلاميين بالولايات
- بعض المسئولين ينظرون للإعلاميين بإستخفاف وكأنهم (متسولو أخبار)
تحقيق ـــ التاج عثمان:
ظل الإعلام الولائي طيلة السنوات الماضية كما مهملا لدرجة النسيان رغم أهميته.. معظم حكومات الولايات تنظر إليه بإستخفاف ولا مبالاه حتى أصبع مشلولا عاجزا عن تقديم رسالته الإعلامية لإنسان الولايات المختلفة وأصبح طاردا للكفاءات الإعلامية المشهود لها بالتميز والإبتكار لتتلقفهم الفضائيات المحلية والعربية والإذاعات والفضائيات الخاصة.. فلماذا وصل الإعلام الولائي ممثلا في هيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية لهذا الدرك السحيق من التدني والضعف لدرجة تلامس الإنهيار وبالتالي وقف عاجزا عن القيام برسالته الإعلاميه تجاه مواطني الولايات وعكس قضاياهم؟.. وكيف تحول الإعلاميين الولائيين لمجرد موظفين حكوميين رغم أنفهم؟.. (أصداء سودانية) تفتح ملف (الإعلام الولائي.. الواقع المُر) عبر هذا التحقيق…
اعلام ولاية سنار:

أتاح لي النزوح من العاصمة الخرطوم إلى عاصمة ولاية سنار سنجه وبقائي فيها لأكثر من عام بسبب الحرب، فرصة التعرف على قضايا ومشاكل هيئة الإذاعة والتلفزيون ولاية سنار ومعاناة كوكبة الإعلامين بها.. إكتشفت معلومات مؤسفة عن واقع الإعلام الحكومي بولاية سنار، إذاعة وتلفزيون، في مجملها تمثل ازمة إعلام حقيقية بالولاية.. منها بإختصار: عدم إهتمام المسئولين بالولاية بالإعلام المحلي والذي يرقى لدرجة التجاهل.. وضعف الإمكانات اللازمة لخلق بيئة صالحة للإبداع.. وبناء الهيكل الوظيفي على المحاصصات والتبعية السياسية والمذهبية.. وعدم تقدير المسئولين بالولاية للإعلام وتفهم دوره المهم في عكس إنجازات وإخفاقات حكومة الولاية وتنوير إنسان الولاية بها، فالإعلام يأتي في آخر إهتمامات حكومة الولاية.. بجانب ضعف المرتبات، مثلا إعلامي في الدرجة الخامسة كل مرتبه الشهري 85 ألف جنيه فقط وهي بالطبع لا تغني ولا تسمن من جوع خاصة بعد الحرب.. والمرتبات لا تكفي الإعلامي العيش الكريم للإعلامي سوى ثلاثة أيام فقط.. والحوافز والنثريات حٌلم بعيد المنال، كما لاحظت عدم وجود سقوفات للإنتاج الإعلامي بالولاية.. وإنعدام التدريب مؤشر فاضح لعدم الاهتمام بكوادر الولاية الإعلامية، فالإعلامي بولاية سنار يعمل في ظروف قاهرة لا تتوافر فيها مقومات العمل الإعلامي.. ووضع الهيئة تأزم بعد إقتحام وتدنيس المليشيا المتمردة لعاصمة الولاية سنجه، وعاثت فيها نهبا وتدميرا لمباني الهيئة والأجهزة القلية التي كانت موجودة بالإذاعة والتلفزيون، حيث فقدت الإذاعة كل الأجهزة ومعينات العمل وكذلك التلفزيون.. وحاليا تعاني إذاعة ولاية سنار من عدم وجود متحركات وأجهزة تسجيل خارجي.. كل النواقص التي يعاني منها الجهازين يعود إلى عدم قناعات المسئولين بالولاية بالإعلام المحلي ولذلك لا يتكرمون بمنحه الأولوية في تنفيذ إحتياجاته.
ضعف ميزانية التشغيل:
من معوقات العمل بالجهازين ضعف ميزانية التشغيل بحيث انها لا تفي بإحتياجات العملية الإعلامية.. وإنعدام سقوفات الإنتاج البرامجي، والعمل بلوائح الإنتاج والتي كانت موجودة في السابق لكنها ضعيفة لا تتناسب مع الجهد المبذول من الإعلاميين في إنتاج المواد الإعلامية المختلفة.. والنقص الكبير في الأجهزة والمعدات الإعلامية والتي تعتبر عائقا كبيرا للعملية الإعلامية برمتها.. وضعف وهشاشة البيئة الإعلامية والتي تحتاج لترقية وتحسين كامل شامل حتى تكون محفزة للإعلامي ولإبداعه وبذل مزيد من العطاء.. بجانب إنعدام او تجاهل تدريب الإعلاميين لرفع كفاءتهم.
ومن أبرز المشاكل التي تعيق العمل بالهيئة بولاية سنار، والتي وقفت شخصيا على آثارها السالبة، دمج وزارة الثقافة والإعلام مع وزارة التربية والتعليم، والتي تعد أكبر مشكلة تواجه الإعلام بولاية سنار، وتسببت في خلق مشاكل كثيرة وتحجيم دور الهيئة كثيرا بسبب عدم وجود مدير عام مباشر لقطاع الإعلام، والتركيز فقط على قطاع التربية دون الاهتمام بقطاع الإعلام، رغم ان قطاع التوجيه يضم ثلاث إدارات حيوية ومهمة هي: (الإدارة العامة للإعلام ــ الإدارة العامة للثقافة ــ الإدارة العامة للسياحة).. بجانب عدم متابعة الأداء، وعدم ترقية الإعلاميين والعاملين.. كما ان نقص التمويل المخصص للإعلام يعد من أبرز المشاكل التي تواجه العملية الإعلامية بولاية سنار مما أثر سلبا على الأداء بصورة واضحة، ودائما فإن الإعلامين بجهازي الإذاعة والتلفزيون يكونون هم الشماعة التي تعلق عليها إخفاقات غيرهم رغم انهم بلا ميزانية تذكر.. وتجاهل بعض الوزراء وكبار المسئولين والمدراء للإعلام إلا في حالة وجود فعاليات او أنشطة او زيارة وزير او مسئول او (إحتفائية) لا أهمية لها، لإفتتاح ورشة عمل او لتوثيق حملة نظافة، او تطهير مصرف أمطار، وبالرغم من ذلك تغرق عاصمة الولاية في الخريف، وتتكوم النفايات بشوارعها وميادينها وداخل أحيائها بل حتى داخل الوزارت الحكومية نفسها، وللعلم هذا كان يحدث منذ سنوات، حتى لا يأتي أحد ويعلق هذه السلبيات على شماعة الحرب.. وبعد إنتهاء الإحتفائية يعود الإهمال والتجاهل كما كان (سيد الموقف).. ومن نماذج الإستخفاف بالعمل الإعلامي والإعلاميين الولائيين، ان أحد مدراء الهيئة استولى على عربة التغطية التلفزيونية الخاصة بالمحررين ولم يقدم لهم البديل لدرجة انهم اصبحوا عاجزين عن التغطيات الخارجية.. كما لاحظت عدم وجود تنسيق واضح بين الأجهزة الإعلامية بالولاية: (إذاعة ــ تلفزيون ــ سونا ــ إدارة الإعلام)، فالكل يعمل في جزر معزولة عن الآخر، خاصة ان محليات الولاية بعيدة كل البعد عن رئاسة الولاية من حيث التخطيط والمتابعة.
صحيفة نبض السلطنة:

وللحق فإن صحيفة (نبض السلطنة الزرقاء)، وهي صحيفة ولائية حكومية وتعد لسان حال حكومة ولاية سنار، فعلى الرغم من ضآلة ميزانية التسيير المخصصة لها وشح إمكانياتها ومعينات العمل وعدم وجود مجلس إدارة خاص بها، إلا ان الإعلاميين والعاملين بها حققوا نجاحات كبيرة للصحيفة وظلوا متمسكين بصدورها كل إسبوع بنجاح من دون توقف ورغم إشكالية التيار الكهربائي والإنترنت قبل وبعد تحرير الولاية من دنس التمرد.. ورغم تدمير أجهزة الحاسوب القليلة التي تمتلكها بواسطة المليشيا، وبالرغم من إنعدام المعينات اللازمة لإصدار الصحيفة إلا أنهم ظلوا يعملون في صمت على طريقة (الإبداع يولد من المعاناة).. على سبيل المثال العربة الوحيدة بإدارة الاعلام أصلا مخصصة لمديرة الإدارة، وهي عربة بوكس أكل عليها الدهر وشرب، (هلكانة)، او بصريح العبارة (خُردة) كثيرة الأعطال، إطاراتها بالية لا تجدد رغم المطالبات المتكررة بإستبدالها وصيانتها رغم ان الصيانة لا تجدي معها، وهي لا تليق إطلاقا بمدير إدارة مهمة كإدارة الإعلام بولاية سنار، ورغما عن ذلك قامت المليشيا بنهبها ولم يعثر عليها حتى الأن، ولا أدري بماذا سيستفيد الدعامة من عربة مدير إدارة الإعلام (الخردة).. رغم ان التغطيات الإعلامية تحتاج لعربة جاهزة للتغطية الفعاليات الإعلامية بمحليات الولاية المتناثرة بأصقاع الولاية المختلفة.. يحدث ذلك رغم ان بعض موظفي الولاية الأقل درجة من درجة مديرة إدارة الإعلام بولاية سنار تخصص لهم عربات فارهه (مكندشة)، رغم ان إدارة الإعلام ولاية سنار لا تقل أهمية عن الإدارات الأخرى إن لم تكن أهم منها.. وكما علمت وصول عدد من العربات للولاية تم توزيعها مؤخرا على بعض المسئولين بالوزارات والإدارات ليس من بينها إدارة الإعلام.. يحدث ذلك في ظل عدم تخصيص نثريات مناسبة لتحركات الصحفيين للتغطية داخل مدينة سنجة ولذلك إما يلجؤون لإسلوب (وصلني يا عم)، او (فضل الظهر)، او التنقل بالركشات، وبعضهم يتنقلون (كداري)، في مشهد لا يليق إطلاقا بالصحفيين ولا برسالتهم الإعلامية السامية، ويسيء لسمعتهم كصحفيين وللإعلام عموما
من يصدق ان كل ميزانية إدارة الإعلام ولاية سنار الشهرية خلال الأعوام الماضية لا تتجاوز (500) ألف جنيه في الشهر، وعام 2024 أصبحت مليون جنيه فقط لكل مناشط الإدارة.. وحاليا فإن نثريات إدارة الأعلام بولاية سنار تبلغ مليون و500 ألف جنيه في الشهر، وبالطبع فهي ميزانية ضئيلة للغاية قد لا تكفي لتسيير مهام ومناشط إدارة الاعلام بالولاية لإسبوع واحد فقط.
نواصل