آخر الأخبار

قبل الحوار السوداني- سوداني

 

علي عسكوري

*تروج وسط القوى السياسية السودانية فكرة ما تسميه بالحوار السوداني- سوداني كحل للقضية السودانية, وفي حالة من (أم هلهلة) تكاد تشبه الهذيان تصرخ هذه القوى كما صرخ ارخميدس قبل أكثر من ألف سنة(وجدتها وجدتها), هل فعلا وجدتها أم أن ما يدور هو هروب من واقع مرير تسببت فيه هذه القوى مجتمعة لتأتي وتقترح أن تتحاور وكأنها لم تتحاور من قبل.
*من واقع التاريخ، فإن القوى السياسية السودانية في حقيقتها أكثر من تحاور مع بعضه بين شعوب الأرض، وثبت أن العبرة ليس فيما تتحاور حوله إنما المشكلة الأساسية في الإلتزام بما تتفق عليه القوى والعهود التي تقطعها لبعضها.
*بدأ الحوار بين مكونات المجتمع السوداني باكرا قبل أكثر من 500 عام بين الفونج والعبدلاب وأفضى ذلك الحوار إلى إتفاق سياسي نفذ على الأرض وتقاسموا السلطة على أساسه، لكن سرعان ما تم التنكر له مع تصاعد الأطماع السياسية فنتج عن ذلك حروب كثيرة بين (الطرفين).
*ولنترك التاريخ البعيد ونعود لفترة الاستقلال مرورا بالمائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر، كلها حوارات فاشلة لم يلتزم بها أحد خاصة حزب الأمة ومناصريه من جبهة الميثاق.
*ثم جاء إنقلاب الراحل نميري، وعقد اتفاقا مع حركة (أنانيا)، ثم سرعان ما تنكر له وقال حسب ما تواتر: إن الإتفاق ليس قرآنا.
*سقط نميري وجاءت فترة من الحكم المدني وعندما تحاور عدد من أساتذة الجامعة مع الحركة الشعبية بحثا عن السلام فيما يعرف بندوة (امبو) اعتقلهم وزير الداخلية وقتها السيد مبارك الفاضل في استغلال صادم للسلطة, ثم قام انقلاب الانقاذ، وعقد العديد من المؤتمرات بما فيها مؤتمر السلام أو هكذا اسموه، ثم انغمست الانقاذ في سلسلة من المفاوضات مع الحركة الشعبية استمرت لقرابة العقدين، في أثناء ذلك عقد التجمع الوطني الديمقراطي (شمل جميع القوى السياسية المعارضة لنظام الانقاذ) وأصدر ما يعرف ب(مقررات أسمرا للقضايا المصيرية) التي اعتبرتها القوى السياسية فتحا جديدا من شأنه أن يفض لحل مشكلة الحكم في السودان.
*انتهت حوارات ومفاوضات الانقاذ مع الحركة الشعبية بالاتفاق على فصل الجنوب، أما مقررات أسمرا للقضايا المصيرية فقد نسيتها القوى التي وقعت عليها وكأنها لم تكن.
*لقرابة السبعة عقود ظل السودانيون يتحاورون، داخل بلادهم وخارجها، وفي حقيقة الأمر لم تبق عاصمة في دول الجوار أو في الغرب لم يجتمع فيها السودانيون و (أصدقائهم) في مؤتمر أو سمنار .. الخ ليناقشوا قضية بلادهم, سيصعب على أي باحث حصر السمنارات وورش العمل وحلقات النقاش والحوارات التي انعقدت لمتاقشة قضايا السودان في مدن مختلفة من العالم, ولو جمعنا الأوراق التي استخدمت في تلك الاجتماعات والسمنارات لشيدت لنا برجا من مائة طابق، أما الأحبار التي دلقت على تلك الأوراق فدون شك كافية لتجري كنهر مواز لنهر النيل، كل ذلك ذهب أدراج الرياح دون عائد, رغم ذلك ما زال القوم يسعون للحوار.
*والحال كذلك هل نحن حقيقة في حاجة إلى حوار جديد وقد قتلنا كل القضايا بحثا ولم نبق, ترى ما الجديد الذي سيناقشه الحوار المزمع, ما هي تلك الفكرة الألمعية والحل السحري الذي يمكن أن يخرج به الحوار, أم هي محاولة أخرى من لعبة (ملوص) التي تجيدها القوى السياسية لتلهي نفسها وتدندن منفردة (الحوار .. الحوار) لتلوكها ردحا من الزمن ثم ترميها جانبا كما فعلت بمقررات أسمرا، ثم تنهض لتبحث عن حوار جديد.

*إن الحقيقة التي يتجنبها الجميع هي أن القوى السياسية قوى خؤونه.. تخون العهود وتخون ما تتفق عليه ولا يرتد لها طرف, وقد كتب السياسي الجنوبي ابل الير كتابا عن خيانة العهود والمواثيق وكان صادقا في زعمه, الأغرب من ذلك أن أياً من القوى السياسية لم ترد على التهمه الثقيلة التي رماها بها, في سبهلليتها المعهودة إعتبرت ما كتب أمر عادي لا يستحق الرد مع إنها تهمة عظيمة لو يدرون, فأسواء ما يمكن أن يتهم به قوم هو خيانة العهود, ولو كانت خيانة العهود أمر عادي لما تناولها المولى في كتابه.
*من يتابع سلوك القوى السياسية يدرك بسهولة أنها تؤمن بالمثل:(مليون نطة ولا بعبوص واحد) كما يقول تجار السوق, تمارس القوى السياسية هذا المفهوم السوقي السئ في أخطر القضايا ولا تكترث، ولذلك إنتهت بلادنا إلى ما إنتهت إليه من حروب لا تتوقف, قضت على الأخضر واليابس والحبل على الغارب.
*إن تركنا الحرب الحالية جانبا، فليس هنالك قضية جديدة لم تتم مناقشتها، عشرات بل مئات الأوراق قدمت في مختلف القضايا ولم تترك شاردة ولا واردة، ولذلك على القوى السياسية وقبل أن تنظم مؤتمرا آخر لتزجية الوقت، أن تجتمع لتناقش : لماذا لا تلتزم بما تتفق عليه، ولماذا تخون العهود؟.
*قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الاسراء)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل)
*الإتفاق السياسي في جوهره عهد بين القوى السياسية يهم كل الأمة والمواطنيين وخيانته خيانة للأمة تؤثر على حياتها واستقرارها، ومن المؤسف أن تكون المجتمعات غير المسلمة أكثر التزاما منا بالعهود والوفاء بها، ونحن أمة تزعم الإلتزام بالإسلام لكننا نضرب قيمه ومبادئه الأساسية في مقتل كل مرة.

*إن استطاعت القوى السياسية العثور على حل لوقف سلوكها في خيانة العهود، ستتحل مشاكل السودان تلقائيا، فما قتلنا شئ غير نقض وخيانة العهود.
*القضية أيها الناس ليست في الحوار، بل في الإلتزام بما يفضي إليه الحوار.
*قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد).
هذه الأرض لنا.