آخر الأخبار

هل كان بالإمكان أن يتجنب مصرف السلام السودان مجزرة قذف أكثر من سبعين من منسوبيه إلى المجهول؟

 

د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

لم تكن الخطوة التي اتخذها مصرف السلام السودان بإنهاء خدمة أكثر من سبعين من منسوبيه مجرد قرار إداري عابر أو إجراء لإعادة الهيكلة، بل بدت – في نظر كثيرين – أقرب إلى مجزرة وظيفية غير مسبوقة في القطاع المصرفي السوداني، ليس فقط بسبب عدد العاملين الذين وجدوا أنفسهم خارج أسوار المؤسسة بين عشية وضحاها، وإنما أيضاً بسبب التوقيت والظروف والبدائل التي كانت متاحة أمام الإدارة ولم يتم اللجوء إليها.

 

 

 

وتزداد حدة التساؤلات عندما نعلم أن عدد فروع المصرف القائمة حالياً يكاد يكون هو ذاته عدد الفروع التي كانت تعمل بكامل طاقتها وتستوعب نحو مائة وستين موظفاً أو يزيد قليلاً قبل الحرب. وإذا كانت البنية التشغيلية الأساسية للمصرف – من حيث عدد الفروع – لم تشهد انكماشاً جذرياً، فإن السؤال الجوهري يصبح: هل كانت هناك بالفعل ضرورة موضوعية لقذف هذا العدد الكبير من العاملين إلى المجهول؟

 

 

 

 

من الناحية الإدارية، لا تُقاس الحاجة إلى العمالة بعدد الفروع وحده، فالحرب فرضت بلا شك متغيرات قاسية على النشاط المصرفي ومستويات الربحية وحجم الأعمال. لكن حتى في ظل هذه الظروف الاستثنائية، فإن المؤسسات الرشيدة تلجأ إلى الفصل الجماعي باعتباره الملاذ الأخير، بعد استنفاد كل البدائل الممكنة والأقل كلفة إنسانياً ومؤسسياً.

 

 

 

 

لقد كان بإمكان المصرف، على سبيل المثال، اعتماد برامج لإعادة توزيع القوى العاملة بين الفروع والإدارات بحسب مستويات النشاط الفعلي. وكان بإمكانه تطبيق نظام الدوام المرن أو تخفيض ساعات العمل أو تقليص بعض المزايا بصورة مؤقتة وبالتوافق مع العاملين، بدلاً من إنهاء الخدمة بصورة نهائية.

 

 

 

 

وكان بوسعه أيضاً تطبيق برنامج للتقاعد المبكر الاختياري مع حزم تعويضات جاذبة، أو اللجوء إلى الإجازات طويلة الأجل المدفوعة جزئياً، أو إعادة تأهيل الموظفين وتدريبهم للاضطلاع بمهام جديدة فرضتها التحولات الرقمية والمصرفية التي تسارعت بعد الحرب.

 

 

 

 

بل إن بعض المؤسسات حول العالم، خلال أزمات اقتصادية أكثر تعقيداً من الأزمة السودانية، لجأت إلى مبدأ تقاسم الوظائف (Job Sharing)، حيث يتقاسم موظفان مهام وظيفة واحدة بصورة مؤقتة، حفاظاً على مصدر رزق العاملين وتقليصاً للعبء المالي على المؤسسة. كما اتجهت مؤسسات أخرى إلى التخفيض التدريجي للعمالة عبر عدم شغل الوظائف الشاغرة الناتجة عن الاستقالات أو التقاعد الطبيعي، بدلاً من اللجوء إلى قرارات جماعية صادمة.

 

 

 

 

ومن زاوية أخرى، فإن القرار يثير سؤالاً يتعلق بالذاكرة المؤسسية. فالموظفون في المؤسسات المصرفية لا يمثلون مجرد أرقام في كشوفات الرواتب، بل هم مخزون من الخبرات والمعارف والعلاقات مع العملاء والقدرات التشغيلية المتراكمة عبر سنوات طويلة. وعندما تفقد المؤسسة هذا الرصيد دفعة واحدة، فإنها لا توفر تكلفة أجور فحسب، بل تتخلى أيضاً عن رأس مال بشري قد يستحيل تعويضه عندما تتعافى الأوضاع الاقتصادية ويعود النشاط المصرفي إلى مستوياته الطبيعية.

 

 

 

ولا ينبغي إغفال البعد الأخلاقي والاجتماعي للقرار. فالسودان يعيش واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والإنسانية؛ إذ تراجعت فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة، وتآكلت الدخول بفعل التضخم، وانكمش النشاط الاقتصادي في معظم القطاعات. وفي مثل هذه البيئة، فإن فقدان الوظيفة لا يعني مجرد فقدان راتب، بل يعني بالنسبة لكثير من الأسر فقدان مصدر العيش الوحيد، وما يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية ونفسية ومعيشية عميقة.

 

 

 

 

 

كما أن المؤسسات المصرفية لا تُقاس فقط بميزانياتها وأرباحها، وإنما أيضاً بمستوى مسؤوليتها الاجتماعية وبقدرتها على الموازنة بين مقتضيات الكفاءة الاقتصادية وواجباتها تجاه مواردها البشرية. فالقرار الذي قد يبدو منطقياً في دفاتر المحاسبة قد يحمل كلفة إنسانية ومؤسسية باهظة تظهر آثارها لاحقاً على سمعة المؤسسة وولاء العاملين وثقة المجتمع بها.

 

 

 

 

ولا يبدو أن السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان مصرف السلام السودان يمتلك الحق القانوني في إعادة هيكلة موارده البشرية؛ فذلك حق أصيل لأي مؤسسة وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة. وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: هل استنفد المصرف فعلاً كل البدائل الممكنة قبل اللجوء إلى هذا الخيار القاسي؟ وهل كانت الضرورات التشغيلية تفرض إنهاء خدمة أكثر من سبعين موظفاً في وقت ظل فيه عدد الفروع العاملة قريباً من العدد الذي كان يستوعب أكثر من مائة وستين موظفاً؟

 

 

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شأناً يخص الموظفين الذين فقدوا وظائفهم وحدهم، بل تمس فلسفة الإدارة المؤسسية ذاتها. فالأزمات الكبرى لا تختبر قدرة المؤسسات على تقليص النفقات فقط، وإنما تختبر أيضاً قدرتها على حماية الإنسان وهو أثمن أصولها.

 

 

 

 

ولعل التاريخ الإداري لن يتذكر أن مصرفاً خفض بند الأجور في ميزانيته، بقدر ما سيتذكر كيف تعامل مع موظفيه في أحلك الظروف، وما إذا كان قد استنفد كل السبل الممكنة قبل أن يقذف أكثر من سبعين من منسوبيه إلى المجهول.