آخر الأخبار

شهداء الكلمة والصورة ووجعُ الوفاءِ الغائب

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد         

 

*في اللحظات العصيبة التي تمر بها الأوطان، لا يسقط الجنود وحدهم في ميادين المعارك، بل يسقط أيضًا حراس الوعي، وصُنّاع الكلمة، وحملة الكاميرات والميكرفونات الذين يذهبون إلى الخطر ليكتبوا للتاريخ شهادة الحقيقة. هكذا كان حال أبناء الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في السودان، الذين وجدوا أنفسهم، منذ اندلاع حرب أبريل 2023م، في قلب العاصفة الوطنية، يواجهون الخوف والدمار والرصاص، لا بحثًا عن مجد شخصي، بل وفاءً لرسالة آمنوا بها، وهي أن الإعلام الوطني ليس ترفًا، وإنما جزء من معركة الوطن والهوية والسيادة.

لقد عاش الإعلام السوداني خلال هذه الحرب واحدة من أكثر مراحله قسوةً وألمًا، حيث امتزجت أصوات البث بأنين الفقد، وتحولت الاستديوهات وغرف الأخبار إلى مساحات للحزن المفتوح، وهي تودع واحدًا تلو الآخر من أبنائها الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الكلمة والصورة.

*كان رحيل الإعلامية القديرة دار الجلال مصطفى واحدًا من تلك اللحظات التي تكشف هشاشة القلب الإنساني أمام الفقد. لم تكن مجرد معدة برامج أو موظفة عابرة في التلفزيون القومي، بل كانت نموذجًا نادرًا للإعلامية المثقفة الهادئة التي حملت المهنة بأخلاقها قبل صوتها وصورتها. ارتبط اسمها ببرامج ثقافية ومعرفية رفيعة، وكان برنامج “سير وأخبار” مع العلامة عبدالله الطيب شاهدًا على عمق اهتمامها بالفكر والثقافة والهوية السودانية.

*لكن مأساة دار الجلال لم تكن في رحيلها وحده، بل في الحزن الطويل الذي سبق الرحيل. فقد عاشت سنوات من الصبر وهي تواجه مرض زوجها المونتير الراحل أبوبكر حسن الشريف، الذي غادر الدنيا قبلها، تاركًا خلفه وجعًا ثقيلًا وحزنًا استقر في قلبها حتى لحقت به. وكأن الموت في مؤسساتنا الإعلامية لم يعد حدثًا منفصلًا، بل سلسلة متواصلة من الفقد الإنساني العميق الذي يترك خلفه أسرًا مكلومة وزملاء مثقلين بالأسى.

*وفي ذات موكب الرحيل، غاب الزميل مجدي مصطفى، مهندس الصوت بالإذاعة السودانية، الذي كان من أولئك الجنود المجهولين الذين يصنعون جمال الرسالة الإعلامية من خلف الزجاج والأجهزة وغرف التحكم. هؤلاء الذين لا تراهم الكاميرات كثيرًا، لكنهم يمنحون الكلمة نقاءها، والصوت روحه، والبث استمراره.. رحل مجدي مصطفى تاركًا خلفه أسرة صغيرة وزوجته الزميلة المهندسة سوسن، بينما بقي السؤال المؤلم قائمًا: كيف تحفظ المؤسسات حق أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها؟.

*غير أن الوجع الأكبر ربما تجلى في مشهد شهداء التلفزيون القومي الذين ارتقوا أثناء تغطية عمليات تحرير القصر الجمهوري، في واحدة من أخطر وأصعب اللحظات الميدانية في تاريخ الإعلام السوداني الحديث. هناك، لم يكن الإعلاميين مجرد ناقلين للأحداث، بل كانوا جزءًا من الحدث نفسه، يقتربون من الموت ليحملوا للناس صورة الوطن في لحظة التحول الكبرى.

*استشهد فاروق أحمد محمد الزاهر، مدير البرامج الميدانية والمنتج والمخرج المعروف، وهو يؤدي واجبه المهني والوطني، بعد مسيرة طويلة من العطاء داخل التلفزيون القومي. كان رجلًا يحمل روح الإعلام الوطني الحقيقي؛ إعلام المسؤولية والوعي والانتماء، لا إعلام الضجيج والادعاءات. وبرحيله فقدت الشاشة السودانية واحدًا من أكثر أبنائها إخلاصًا وهدوءًا ومهنية.

*كما ارتقى الشهيد مجدي عبد الرحمن فخر الدين، الذي حمل عدسته وسط ألسنة النار والدخان، مؤمنًا بأن الصورة الصادقة قد تكون أحيانًا أبلغ من آلاف الكلمات. لقد ذهب ليصور الوطن وهو يستعيد أنفاسه، فعاد شهيدًا للصورة والحقيقة.

*واستشهد كذلك  جعفر محمد أونور، الذي  قاده الفريق الإعلامي في تلك المهمة الخطرة، ليكتب اسمه ضمن سجل التضحية الوطنية. كما أصيب الزميل المونتير إبراهيم مضوي أثناء التغطية، بينما وردت أسماء أخرى ضمن شهداء ومرافقي الإعلام الحربي، من بينهم حسن محمد إبراهيم وعماد.

*لقد أثبت هؤلاء جميعًا أن الإعلامي السوداني لم يكن بعيدًا عن معركة الوطن، بل كان في قلبها، يحمل الكاميرا كما يحمل الجندي بندقيته، ويدافع عن الحقيقة كما يدافع الآخرون عن الأرض.

*لكن، وفي خضم هذا الحزن الثقيل، يبرز وجع آخر لا يقل قسوةً عن وجع الفقد نفسه؛ وهو وجع النسيان والإهمال الذي يطارد جيلًا كاملًا من المبدعين الذين أعطوا الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أعمارهم وخبراتهم ووهج مواهبهم، ثم وجد كثيرٌ منهم أنفسهم يجلسون على أرصفة الانتظار، بعيدًا عن الوفاء الذي يليق بتاريخهم وعطائهم.

*صحيح أن قوانين العمل تُحيل العاملين إلى المعاش بعد سنوات طويلة من الخدمة، لكن القوانين الجامدة لا تستطيع أن تقيس قيمة المبدعين الحقيقيين، ولا أن تدرك أن الخبرة الإعلامية ليست مجرد سنوات خدمة تُطوى بقرار إداري، بل هي ذاكرة وطنية وتراكم معرفي وثقافي وإنساني لا يجوز التفريط فيه بهذه البساطة القاسية.

*والمؤلم أكثر أن بعض الذين يتصدرون اليوم قيادة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يتعاملون مع أي حديث عن حقوق الرواد والمبدعين وكأنه خصومة شخصية أو محاولة استهداف، بينما القضية في حقيقتها قضية وفاء وعدالة واحترام لذاكرة المؤسسة نفسها. فالمؤسسات العريقة لا تُقاس بحجم مبانيها أو معداتها، وإنما بمدى وفائها لمن صنعوا مجدها الحقيقي.

*إننا نتحدث عن جيل كامل من العمالقة الذين تجاوز بعضهم السبعين عامًا، لكنهم ما زالوا يحملون في أرواحهم جذوة الإبداع، ونبل الرسالة، وصدق الانتماء. جيلٌ ما زالت الذاكرة السودانية تحفظ صوته وصورته وتأثيره. ومن هؤلاء الأستاذ علام الدين حامد، والأستاذة محاسن سيف الدين، والأستاذة سعاد أبو عاقلة، وغيرهم من القامات التي ما تزال قادرة على العطاء والتدريب والتوجيه وصناعة الوعي، لكنها تنتظر التفاتة وفاء تليق بتاريخها.

*ويبلغ الوجع مداه حين نستحضر رحيل أستاذ الأجيال البروفيسور  صلاح الدين الفاضل، الذي ترك خلفه إرثًا علميًا وإعلاميًا ضخمًا، وترك كذلك الإعلامية القديرة نائلة ميرغني العمرابي تواجه قسوة التهميش بعد سنوات طويلة من البذل والعطاء. فمن المؤلم أن تضطر قامة إعلامية بهذا الحجم إلى العمل بنظام “القطعة” قبل حرب أبريل 2023م، وكأن المؤسسة التي صنعت مجدها لا تعرف تاريخها ولا تحفظ جميلها.

*وكذلك الحال مع الزميل الراحل طارق  المريود، الذي ظل لأكثر من عشر سنوات يعمل متعاونًا مع التلفزيون القومي، يقدم خبرته وجهده وإبداعه في مجال المونتاج دون وظيفة ثابتة أو استقرار مهني، حتى رحل تاركًا خلفه أسئلة موجعة عن معنى العدالة المهنية، ومعنى الوفاء المؤسسي، ومعنى أن يُقضي الإنسان عمره في خدمة مؤسسة دون أن تمنحه المؤسسة الحد الأدنى من الأمان والاعتراف.

*إنها ليست حالات فردية معزولة، بل صورة مؤلمة لواقع يحتاج إلى مراجعة أخلاقية وإنسانية عميقة. فالمؤسسات التي لا تحفظ حقوق أبنائها وهم أحياء، لن تستطيع أن تصنع ذاكرة محترمة بعد رحيلهم.

*ومن هنا، فإن إنشاء صندوق دعم أسر شهداء ورواد الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لم يعد ترفًا أو مبادرة عاطفية مؤقتة، بل ضرورة وطنية وأخلاقية عاجلة.. صندوقٌ يحفظ كرامة الأسر، ويعين أبناء الراحلين، ويؤكد أن الوفاء ليس مجرد بيانات نعي تُقرأ في لحظة حزن ثم تُنسى، بل التزام مؤسسي وإنساني دائم.

*كما أن الواجب الوطني يقتضي إعداد سجل موثق ودائم لشهداء ورواد الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون منذ حرب أبريل 2023م، يتضمن أسماءهم وسيرهم وعطاءهم، حتى تبقى ذاكرتهم حية في وجدان الوطن، وحتى تدرك الأجيال القادمة أن الإعلاميين السودانيين لم يكونوا على هامش المعركة، بل كانوا جزءًا أصيلًا منها.

*إن الموت حين يمر على المؤسسات الإعلامية لا يأخذ أفرادًا فقط، بل يأخذ جزءًا من ذاكرة الوطن، وجزءًا من الأصوات التي صنعت وجدان الناس، وجزءًا من الحكايات التي عاشت داخل الاستديوهات وغرف الأخبار والمونتاج والبث.. لكن عزاءنا أن الذين يرحلون بأثرهم الجميل لا يغيبون حقًا، بل يتحولون إلى سيرة طيبة، ودعاء لا ينقطع، ومحبة باقية في قلوب زملائهم وكل من عرفهم.

*رحم الله الشهداء والراحلين، وحفظ من تبقى من الرواد والمبدعين، وألهم المؤسسات أن تدرك أن الوفاء ليس مجاملة عابرة، بل عدالة إنسانية وذاكرة وطن لا ينبغي أن تموت.