
تلودي ومشاكل التعدين.. خطوة إلى لأمام خطوتان إلى الخلف (1)
علي احمد دقاش
*المسلم ينبغي له أن يكون منفتح على الإنتاج الفكري الإنساني الواسع وينبغي أن يتبضع من التجارب الإنسانية في مختلف العصور، القرآن يقول في سورة آل عمران
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) وهو يرمي بذلك إلى أن يكون للمسلم رصيد واسع من التجربة الانسانية المحلية القومية والإقليمية والعلمانية ليواجه بها الحياة اليومية ومتقلباتها المختلفة.
*القرآن اخوتي الكرام ليس تميمة يعلقها الإنسان ولا تعويذة تقي من الشيطان .. القرآن رصيد من التجارب الإنسانية ينبغي لنا أن نهتدي بها في الحياة.
*الامام أبو حامد الغزالي درس الفلسفة اليونانية بمختلف مناهجها وهزم كل من ناظره فيها وكتب كتابه الشهير
( تهافت الفلاسفة)
قال قولته الشهيرة:
تَرَكتُ هَوَى سَعدى وَلَيلى بِمَعزلٍ
وَعُدتُ إلَى مَصحُوبِ أَوَّلَ مَنزِلِ
غَزَلتُ لَهُم غَزلاً رَقِيقاً فَلَم أَجِد
لِغَزلِيَ نَسَّاجاً فَكَسَّرتُ مِغزِلي.
*حاول بن رشد الاندلسي أن يرد عليه فكتب كتابه الشهير (تهافت التهافت)
أعود لموضوعي.. عنوان المقال أعلاه مستوحي من عنوان كتاب كتبه المفكر الشيوعي المشهور فلاديمير إيليتش أوليانوف، المعروف باسم فلاديمير لينين، كتب لينين هذا الكتاب ليحلل فيه أسباب إنشقاق الحزب الشيوعي السوفيتي إلى منشفيك وبلشفيك.
*بعد سنين عديدة وبعد أن تدهور الحزب الشيوعي أكثر كتب السكرتير السابع والاخير للحزب الشيوعي السوفيتي
ميخائيل سيرغيفيتش غورباتشوف في كتابه (البروستريكا) التي هي افكار لحقت الشيوعيين امات طه كما يقولون
*جاء بعد ذلك الصحفي اللامع ميشيل هيلروكتب كتاب رائع هو
(السكرتير السابع والأخير ـ نشوء وانهيار الإمبراطورية الشيوعية)
أورد هيلر مقولة ساخرة عبر بها عن منهج الشيوعيين قال فيها كان الاسكندر الأكبر مستعد أن يعطي الحرية للعالم أجمع شرطا أن يخضعوا لإرادته هو وحده.
*هذا الكتاب ماتع لمن يريد أن يتأمل في كيفية نشوء وإنهيار الاتحاد السوفيتي وظهور الجمهوريات الحالية ورثت الاتحاد السوفيتي.
*لا تترددوا أن تقراوا الفكر الشيوعي وتستخلصوا منه المفيد فالمسلم صائد حكم ، لكن لا انصح بذلك إلا للضالعين في العلم.
*الفكر الشيوعي نفسه كان بصدد الاعتذار عن المقولة التي راجت عنه وشكلت حاجز صد لانتشاره بين المسلمين (الدين افيون الشعوب).
*بعد اندلاع الثورة المهدية في السودان محمولة على الفكر الإسلامي وبعد انتصار المهدي على الحكومة في الجزيرة أبا كتب كارل ماركس إلى زميله فريدريك إنجلز زميله في كتابة المنفستو الشيوعي رسالة هامة جاء فيها
لوبقيت حيا لأعدت النظر في مقولة (الدين افيون الشعوب)فقد رأينا الدين يقود الثورة في السودان.
*دعونا من ذلك الآن وتعالوا نرجع إلى المنهج الإسلامي في معالجة ما يجرى من أحداث تجرى في الارض.
*يقول الله تعالي في الجزء الثاني من القرآن الكريم الآية 143من سورة البقرة
(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ )
هذه الآية ترسم الدور الأساسي للمسلم في الحياة ساتخذها مدخلا للحديث عن الأزمة في تلودي.
*مفهوم الشهادة المذكورة في الاية يختلف عن المفهوم التقليدي الذي يتبادر الي أذهان الكثيرين من الناس ، معظم الناس يظن أن الشاهد هو الذي يحضر الأحداث ويراها ويدونها في ذهنه ثم يرويها في المحكمة إذا طلب منه ذلك.
*لكن الشاهد في المفهوم الاسلامي هو الحاضر الفاعل الإيجابي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموجه للحياة تجاة الحق روي عن سيدنا ابوبكر الصديق حديث جاء فيه:
سمعت أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه يقول أيها الناسُ إنّكُم تقرؤُونَ هذهِ الآيةَ من كتابِ اللهِ عز وجل تضعُونَها على غيرِ ما وَضَعها اللهُ عز وجل ( يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوْا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُم ) وإنّي سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول إذا عملَ فيهم بالمعاصي أو بغيرِ الحقّ ثم لم يغيّرُوهُ يوشكُ أن يعمّهُم الله بعقابٍ منهُ حديث صحيح.. وفي القرآن
(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
قال الله عن اليهود:
(كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚلَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
سورة المائدة: 79
*آية الشهادة هذه آية عظيمة وموجهة لسلوكنا إستخلص منها د.علي شريعتي فيلسوف الثورة الإيرانية مقولته الشهيرة إذا لم تكن شاهدا على عصرك، ولم تقف في ساحة الكفاح الدائر بين الحق والباطل، وإذا لم تتخذ موقفا صحيحا من ذلك الصراع الدائر في العالم؛ فكن كما تشاء مصليا متعبدا في المحراب، أم شاربا للخمر في الحانات؛ فكلا الأمرين يصبحان سواء.
*وكأن مارتن لوثر كنج نظر إلى هذه الآية عندما قال: أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة.