تفاصيل معركة الكرامة البيئية بالخرطوم (2-2)
- نهب 90 في المائة من أسطول النفايات بولاية الخرطوم
- 300 مليار دولار تكلفة إعادة الإعمار للعاصمة
- المجلس الأعلى للبيئة يتبنى خُطة عشرية لتعافي بيئة الخرطوم
- مركز مكافحة الألغام يدمر 150 ألف قذيفة غير متفجرة. . وقياس تلوث المياه والتربة بواسطة البحوث الجيولوجية
تحقيق ــ التاج عثمان:
جبال من النفايات تغطي أسواق وأحياء العاصمة الخرطوم وامدرمان وبحري في مشهد مؤلم وصادم لما وصلت إليه حال العاصمة.. أكوام المنازل والمباني المهدمة جراءالقصف تغلق عشرات الشوارع الرئيسية والفرعية داخل الأحياء.. تحت الركام والأنقاض توجد مئات الاجسام غير المنفجرة وأصبحت بعبا مخيفا للأتيام العاملة الان في إزالة النفايات والركام من وجه العاصمة.. والحمد لله بدا هذا المشهد المؤلم الذي علق بعاصمتنا الخرطوم يتغير شيئا فشيئا بفضل جهات عديدة.. (أصداء سودانية) عبر التحقيق التالي تورد تفاصيل لم تنشر من قبل عن معركة الكرامة البيئية التي تدور رحاها الأن داخل ولاية الخرطوم بمحلياتها المختلفة تمهيدا لعودة الوجه الحسن لعاصمتنا الخرطوم بعد أن دنسته وشوهته مليشيا آل دقلو الإرهابية.
خسائر فادحة:
هيئة نظافة ولاية الخرطوم تعرضت لخسائر فادحة بسبب الحرب، حيث فقدت 90 في المائة من آليات النظافة ونقل النفايات وقطع الغيار بورشها بمحليات الولاية.. المليشيا نهبت معظم أسطول آليات نقل النفايات.. 400 آلية مخصصة لنقل ومعالجة نفايات ولاية الخرطوم تم نهبها بواسطة المهاويش.. آليات نقل نفايات ثقيلة وخفيفة، قلابات، ضاغطات نفايات، رافعات، لوادر، 127 آلية صغيرة تم جلبها مؤخرا للعمل في نقل النفايات من الطرق الضيقة داخل الأحياء تم نهبها جميعا، وتم تدشينها قبل فترة قصيرة من الحرب، وشوهدت وهي تحمل منهوبات المواطنين التي شفشفها الدعامة.. ايضا تم نهب قطع غيار عربات النفايات، والكوابل النحاسية، وتفكيك الآليات وبيعها كقطع غيار، وتم ضبط عدد كبير منها ومن نحاس الكوابل الكهربائية والإسبيرات المنهوبة من ورش هيئة النظافة بمحليات الولاية بواسطة الجهات الأمنية.. بجانب نهب 9000 حاوية كبيرة لحفظ النفايات الخاصة بالأسواق والاحياء الكبيرة والميادين، وهي تتبع لمشروع نظافة ولاية الخرطوم.. وتم ضبط عدد كبير من قطع غيار عربات النفايات داخل بعض المنازل بالبراري وبري وناصر وشرق النيل خاصة الحاج يوسف، وكان الدعامة ينوون نقلها لدارفور وبعضها كان معروضا للبيع بتراب الفلوس بسوق ستة بالحاج يوسف، وسوق صابرين بالثورة.
مجهودات الولاية:

عموما، فقدت هيئة نظافة ولاية الخرطوم العمود الفقري لعملها المتمثل في آليات نقل النفايات مما تسبب في البطء في نقلها وتكدسها بالأحياء والأسواق بكميات كبيرة، رغم المجهودات المقدرة التي تبذلها في تخليص الولاية من هذا الخطر البيئي الكبير.. وحسب علمي فإن هيئة نظافة ولاية الخرطوم بعد ان فقدت 90 في المائة من اسطولها الناقل للنفايات لم تقف مكتوفة الأيدي، بل تواصلت مع بعض المنظمات ولجأت للدعم الخاص لتوفير آليات جديدة، بجانب الإستعانة بآليات الجيش مؤقتا لنبش ونقل جبال النفايات التي تحاصر العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث، خاصة ان هناك حوالى 510 ألف طن متبقية من النفايات ببحري تنتظر نقلها بالسرعة المطلوبة، ما يستدعي ضرورة تشغيل المحطات الوسيطة للنفايات.
وتعد محلية بحري من أكثر المحليات المتضررة من تكدس النفايات، حيث لحق بسوقها الكبير دمار ونهب وتكدس للنفايات التجارية، وتعمل المحلية ضمن خطة اللجنة العليا لتهيئة ولاية الخرطوم، وبدأت بحملات إزالة الأنقاض بالمناطق المستقرة: (شمبات ــ الدروشاب ــ الكدرو)، وقامت بفتح شوارع الطيار الشهيد عبد القادر الكدرو ــ شارع المعونة ــ وشارع الإنقاذ ــ وشارع المؤسسة.. بجانب سحب العربات المحطمة والمحترقة من شوارع المحلية بالتنسيق مع الجيش والشرطة.. وبالطبع لم تغفل المحلية مكافحة النواقل حيث إنتظمت أعمال رش وتجفيف البرك وتجمعات المياه وإزالة الحشائش الكثيفة التي غطت كل المحلية بأحيائها وأسواقها وحواف شوارعها، والحملات لا تزال تعمل، رغم نهب شامل كامل لأسطول النفايات التابع لمحلية بحري.
نفايات بحري:
وبمتابعتي اللصيقة والمتواصلة لقضية إزالة جبال النفايات بالعاصمة، لاحظت ان هناك تكدسا كبيرا للنفايات المنزلية والتجارية ببعض المواقع خاصة سوق المزاد، بجانب أنقاض المباني التي طالها القصف المحموم.. وحاليا تعمل اللجان الشعبية والشبابية بالمزاد مع المتطوعين من الشباب في تجميع النفايات المتكدسة داخل الحي ووضعها في نقاط تجميع معينة حتى تأتي اللودرات وعربات النفايات لنقلها للمكبات.
ونفذت محلية الخرطوم حملة لإزالة النفايات ومخلفات الحرب بالمقرن، والسوق العربي، والسوق الأفرنجي، ومحيط الوزارات، والجامعات، والمستشفيات، بمشاركة فاعلة من القوات المسلحة والشرطة والسجون، ومنظمات المجتمع المدني، والمقاومة الشعبية، وبعض المبادرات الشبابية مثل مبادرة الخرطوم خضراء تحت شعار: (مكان كل قذيفة شجرة)، وتهدف المبادرة لإعادة تشجير شوارع الخرطوم ، ورفعت حملاتها خلال إسبوع واحد فقط 12 ألف طن نفايات.. من جانبها تعمل محلية امدرمان في حملات كبرى لمكافحة نواقل الأمراض بالتنسيق مع وزارة الصحة، بجانب نقل أكوام المخلفات والنفايات التجارية بسوق امدرمان الكبير.
تضافر الجهود:
إزالة جبال النفايات الجاثمة على صدر وتكتم أنفاس العاصمة الخرطوم من الصعوبة بمكان إزالتها بواسطة جهة واحدة ممثلة في هيئة نظافة ولاية الخرطوم، ولذلك لاحظت تضافر جهود عدد من الجهات في (معركة الكرامة البيئية بولاية الخرطوم)، منها على سبيل المثال لا الحصر، وزارة البنية التحتية والمواصلات ولاية الخرطوم، وهي مسؤولة عن توفير آليات النفايات ،وتعاظمت مهمتها بعد نهب المليشيا لأكثر من 90 في المائة من الأسطول الناقل للنفايات بولاية الخرطوم، وحسب علمي ان لديها 317 آلية بينما الحوجة الكلية 732 آلية، وهي ايضا تشرف على سحب العربات المحطمة والمحترقة وفتح الشوارع.. من جانبها تشارك وزارة الصحة ولاية الخرطوم بحملات كبرى لطوارئ فصل الخريف ومكافحة نواقل الامراض بحملات غسبوعية داخل المنازل لمكافحة حمى الضنك والبعوض وتجفيف البرك وتجمعات مياه الخريف .. كما ان وزارتي الصحة الغتحادية والولائية يقع عليهما مسؤولية التخلص من النفايات الطبية والجثامين، حيث ان الرقام تشير ان هناك الاف الجثث تم دفنها خارج نطاق مقابر الولاية، وهناك رقم يشير انه تم نقل وإعادة دفن 15 ألف جثة تم دفنها على عجل أيام حرب الخرطوم داخل المنازل والمساجد والميادين والمدارس.
من جانبه أعلن المجلس الأعلى للبيئة ولاية الخرطوم عن خطة عشرية 2026 ــ 2036 تهدف لتعافي بيئة ولاية الخرطوم، تشمل معالجة التلوث، وتنظيف التربة والمياه من آثار القصف والنفايات الصناعية والطبية، خاصة حول مصفاة الجيلي.
اما المركز القومي لمكافحة الالغام فقام بعمل كبير ومقدر، فعبر أتيام من 15 غرفة ميدانية متخصصة في إزالة الالغام نجح في تدمير 150 الف قذيفة غير متفجرة، بجانب إشرافها على الأنقاض التي تحتوي على ذخائر ومقذوفات.. بينما ساهمت هيئة البحوث الجيلوجية في قياس تلوث المياه والتربة في محيط مصفاة الجيلي والمناطق الصناعية بالولاية.
اما القوات المسلحة فبجانب مشاركتها في حرب الكرامة العسكرية فتقوم حاليا بالمشاركة الفاعلة في حرب الكرامة البيئية بولاية الخرطوم، بتأمين المناطق والمشاركة في رفع الانقاض الكبيرة والىليات العسكرية المدمرة، حيث قامت بسحب 647 آلية عسكرية مدمرة ومحترقة تابع للمليشيا المتمردة. وقامت شرطة المرور بالمشاركة بفتح الطرق.. وشرطة الدفاع المدني بنقل الجثامين والنفايات الخطرة.. اما قوات السجون فشاركت في حملات النظافة الكبرى بواسطة افرادها ونزلاء السجون.
ولا شك ان ما تقوم به الجهات السابقة مجتمعة يهدف لترقية بيئة الولاية، وهو عمل مكلف يكفى ان نعلم ان تكلفة إعادة إعمار الخرطوم فقط يقدر بحوالى 300 مليار دولار، وهو تحدي كبير فوق طاقة الحكومة المركزية، بجانب بعض التحديات الأخرى المتمثلة في نهب وتدمير 90 في المائة من آليات النفايات، ونقص التمويل لإعادة إعمار الخرطوم وترقية بيئتها،بجانب وجود بعض المخاطر الأمنية كوجود الغام وذخائر غير متفجرة تحت جبال النفايات والركام، حيث وقعت 59 حادثة إنفجار لاجسام حربية اثناء حرق النفايات وإزالة أنقاض المباني المدمرة.