
يد الموت باردة .. فكيف إذاً في الصقيع ؟
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*يد الموت باردة، فكيف إذاً هي في الصقيع؟ لكن الأطباء- عفا الله عنهم- لم يكتشفوا حتى الآن ، إنه حين يولد القُبح يموت الفنان.
*وعبارات على تلك الشاكلة، ومفردات إذا ركبتها في جمل أفادت، وإن تبعثرت أفادت.. وتلك هي لغة الكتابة البهية عند أخي وصديقي الصحفي الفنان الراحل الأستاذ هاشم كرار، رحمه الله
*غادر دنيانا في نوفمبر أواخر سنة الحرب من العام 2023 م ، بالدوحة القطرية بعد معاناة طويلة مع المرض، ووري جثمانه الطاهر الثرى هناك، ونحن الذين عرفناه لم ننسه والله أبداً ، ونستدل على ما ذهبنا إليه بكتابه (طق توقف الزمبرك) الذي أهدانا نسخة منه بعد صدوره بفترة قصيرة ، وجدتها على مكتبي ولا أعرف كيف بعث بها إليّ ولا كيف وصلت.. و لم أسأل .. إذ يكفيني أنها من هاشم ، وأنها وصلت.
*وصديقنا الراحل هاشم كرار، رجل مغوار في دنيا الأدب ، وشجاع بين ثنايا الحروف، ليس في مواجهة الخصوم، بل في مواجهة كل ما ينغص الحياة عليه وعلى غيره من الناس ، وقد جمعتنا صحبة جميلة في صحيفة (الأيام) التي إلتحقت بها في آخر عام من سبعينات القرن الماضي، ووجدته أمامي مع زملاء وأصدقاء آخرين، أضحوا هم في مقبل الأيام الرفقة وأصدقاء العمر، وزملاء المهنة ، وكان من بينهم الأساتذة الكبار المرحوم إبراهيم عبد القيوم والمرحوم محمد الخليفة طه الريفي والمرحوم حسن ساتي، والدكتور يوسف عمر، والمرحوم أحمد عثمان الحاج والسر حسن فضل الذي إنتقل إلى الدار الآخرة قبل فترة قصيرة ، والكاريكاتيرست عز الدين عثمان – رحمه الله- واستاذنا أسامة سيد عبدالعزيز، والمرحوم عبدالقادر حافظ ابن الأبيض الوفي ، والراحل حسن الرضي وأحمد البلال الطيب ونجيب نور الدين وغيرهم، وثلة خيرة من الإداريين وأبناء هذا الوطن المخلصين من بينهم أستاذ الأجيال الراحل أحمد عبدالحليم والمرحوم اللواء عوض أحمد خليفة، والدكتور إسماعيل الحاج موسى والمرحوم محمود الفضلي والمرحوم حسن البدوي والمرحوم عابدين محجوب لقمان، ومجموعة من المخرجين الصحفيين والفنيين الكبار، من بينهم منير دقنة وأحمد رمضان ، وسعاد علي حامد ، وشادية الطيب.
*تلك كانت سنوات التكوين المهني، لذلك لن تنمحي من الذاكرة، وسنظل نذكر الشخوص والأحداث والأمكنة ، وتجمعاتنا الليلية التي تكاد تكون يومية ، ونذكر ارتباط الأستاذ هاشم كرار بالحصاحيصا وبوالدته المرحومة (فاطنة بت الجعيلي)
*احفظ لأستاذنا الكبير الذي علمنا السحر، وأستاذ الأجيال المغفور له بإذن الله حسن ساتي، وهو في أخريات أيامه أن قال أمام جمع من الناس ، إنه يعتز في هذه المهنة بكثيرين ، لكنه أشد اعتزازاً بإثنين هما (فلان) .. و(فلان) .. وقد ذكر أسم كاتب هذه الزاوية وإسم الأستاذ هاشم كرار .. وسبب إعتزاز أستاذنا وأستاذ الأجيال الراحل بصاحبي الاسمين اللذين أشار إليهما، هو إعتقاده بأنهما ينفذان ما قد يخطر على باله من أعمال تتصل بمادة وشكل الصحيفة دون أن يطلب منهما ذلك.
*الراحل هاشم كنتُ أعيب عليه تداخل بعض الأحداث في غير تاريخ وقوعها ، وأقول دائماً إن الصحفي مؤرخ ، لكن عند هاشم تغلب روح الفنان ويسيطر الوفاء للناس والأحداث والأمكنة، لذلك كان يحب زميلنا وصديقنا الأثير المرحوم عثمان عابدين، والراحلين عيسى الحلو، ومصطفى سيد أحمد، وعبدالعزيز العميري، إلى جانب عبدالمنعم رحمة ، وآخرين، لكنه كان يحب الراحل حسن ساتي (حباً جماً) ، لذلك كتب عنه في مقدمة كتابه الجديد القديم ، وتحت عنوان (مع كل الإمتنان) .. كتب ما يلي في إحدى فقرات مقدمته:
إلى حسن ساتي ، لورد الصحافة السودانية.
أكاد أراه- الآن- في البرزخ ، في أبهة كفنه الأبيض، ورائحة حنوطه ، واقفاً في إتجاه الدنيا، يحوّم عينيه بين صحافييها .. ينادي عليّ، يناديني، وفي ذهنه مشروع صحيفة جديدة، إسمها، القيامة قامت.