الحياة بين دفتي رواية .. (فرانكنشتاين في بغداد ) عندما تصنع الشروخ والحروب وحوشنا
إيناس محمد عتمان – مصر:
في روايته العاصفة والحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (فرانكشتاين في بغداد*، يضعنا الروائي العراقي أحمد سعداوي أمام فانتازيا مرعبة ومغرقة في الواقعية النفسية لنتائج الدمار الإنساني؛ حيث يقوم بائع الخردوات (هادي العتاك) بجمع أشلاء جثث ضحايا التفجيرات والصراعات من شوارع المدينة، ويلصقها ببعضها البعض ليصنع جسداً كاملاً، بهدف أن تلتفت السلطات وتدفن هذه الأشلاء المجهولة كإنسان كرمه الله
لكن هذا الجسد الملتصق تدب فيه الحياة فجأة، ويتحول إلى كائن مرعب يُدعى (الشسمه) (الذي ليس له اسم)، ويبدأ رحلة انتقام دموية لأصحاب الأشلاء التي يتكون منها. المفارقة التراجيدية تكمن في أن هذا المسخ كلما أخذ بثأر ضحية سقط منه جزء من جسده، فيضطر لقتل أبرياء جدد ليأخذ أشلاءهم ليرمم نفسه، ليتحول من طالب للعدالة والقصاص إلى قاتل متوحش يقتات على دماء الجميع.
ومن عتمة تلك الشوارع المفخخة بالرماد، نلتفت إلى واقعنا المعيش، لنكتشف أن (مسخ بغداد) لم يعد مجرد بطل في رواية خيالية، بل هو التجسيد الحي لـ (التشوه النفسي والروحي) الذي يصيب إنسان العصر الحديث نتيجة الصراعات والحروب والدمار النفسي المستمر.
إننا نعيش في زمن مأهول بالشروخ؛ حيث تُعرض علينا مشاهد الموت والدمار يومياً عبر الشاشات، لتعيد صياغة نفوسنا من الداخل. كم من البشر اليوم تحولوا إلى “مسوخ نفسية” يتغذون على الكراهية والرغبة في الثأر، مبررين لأنفسهم إيذاء الآخرين وتهميشهم لمجرد أنهم تعرضوا يوماً للظلم أو الخذلان؟ إن مأساة العصر الرقمي هي صناعة (التوحش الروحي)؛ حيث يفقد الإنسان تعاطفه الفطري، ويبدأ في جمع أشلاء أحقاده وضغائنه ليصنع منها جداراً عازلاً يحميه من الخارج، دون أن يدري أنه تحول إلى مسخ يدمر براءة الوجود من حوله.
وتوثق الرواية هذا التحول المروع من الضحية إلى الجلاد، وسقوط قيم العدالة أمام براثن الانتقام الأعمى، في هذا الاقتباس اللفظي الدقيق على لسان الكائن نفسه: أنا العدالة الرسمية الوحيدة في هذه البلاد؛ لقد صُنعت من أشلاء الأبرياء الذين لم يكترث لهم أحد، وجئت لأنتقم لكل جزء فيّ. ولكنني كلما غسلت دماً بدم، شعرت بأنني أتآكل، وأنني بحاجة إلى جثث جديدة لأبقى حياً ومستقيماً
لقد اكتشفت متأخراً أنني لا أحمل روحاً واحدة تبحث عن الحق، بل أحمل آلاف الصرخات المتناقضة التي تطلب الموت، وأنني صرت وحشاً يشبه تماماً هؤلاء الذين فجروا أصحاب الأشلاء وجعلوا مني مسخاً لا يعرف الرحمة.
هذا النص يختزل تماماً مأزق إنسان اليوم، الذي يدخل في صراعات الحياة الشرسة للدفاع عن نفسه، فينزلق دون أن يشعر إلى تقليد جلاديه، متبنياً لغتهم الجافة وقسوتهم المادية، حتى يفقد أمانه الروحي ونقاءه الفطري.
في نهاية المطاف، تظل (فرانكشتاين في بغداد) صرخة نقدية ملحة تحذرنا من التورط في دوامات العنف والكراهية التي تجردنا من آدميتنا. إن النجاة الحقيقية التي تعلمنا إياها السطور هي ألا ندع شروخ الحياة وصدماتها تصنع منا كائنات مشوهة تقتات على ألم الآخرين.
يعلمنا سعداوي أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على أشلاء الانتقام الجاف، وأن حفظ إنسانيتنا يتطلب منا الشجاعة لكسر سلاسل الكراهية، والإنصات العاصف لنداءات المحبة والسلام الداخلي.
إن الملاذ الآمن لقلوبنا وسط هذا العالم العاصف بالسيولة والوحدة هو أن نرمم شروخنا النفسية بالرحمة والتسامح، لكي تتوقف نفوسنا عن إنتاج المسوخ، ويعود البيت البشري مكاناً للالتئام والسكينة لا فضاءً معزولاً لتصفية الحسابات المريرة.