آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (20) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ض)

صمت الكلام

فائزة إدريس

*فلما أتى هتلر ليتولى زمام الأمور في ألمانيا، وبدأ في حملة لنهب أملاك الكنيسة والأديرة، كنا طرفاً في عدد من المفاوضات والصفقات من وراء الحدود، لإنقاذ حتى الأملاك المنقولة وحمايتها من المصادرة. وكنا نعلم ما يدور في بعض المفاوضات السياسية السرية للكوريا الرومانية والبلاط القيصري أكثر مما سيخرج للعلن. هذه التدابير تحديداً التي اتخذها مكتبنا لإبعاد الأنظار عنا – فلم نعلق حتى يافطة على المدخل – والحذر الذي توخيناه، حتى إن كلينا تجنب بشكل قطعي التعامل مع الدوائر الملكية في فيينا، كان من شأنها أن تقينا من تحريات لا داعي لها.

*وفعلياً لم يخطر ببال أي جهة رسمية في النمسا طوال هذه السنوات أن مراسيل القصر السريين تُسلم وتستلم أهم المراسلات داخل مكتبنا المتواضع في الدور الرابع.

*كان النازيون قبل أن يحشدوا جيوشهم لغزو العالم بفترة كبيرة قد أعدوا جيشاً آخر لا يقل عنهم خطورة أو مهارة

وبدأوا ينظمونه في كل الدول المجاورة، كتيبة المهمشين والمتذمرين وأصحاب المظالم. وعشش ما يطلق عليها (الخلايا) في كل جهاز في كل قطاع وإلى كل المواقع، وصولاً إلى الغرف الشخصية لدولفوس. وشوشنيج حيث اندس المتلصصون والجواسيس. حتى في مكتبنا الصغير كان لهم رجل حسب ما عرفت، ولكن للأسف بعد فوات الأوان. بالطبع لم يكن أكثر من موظف بائس بلا كفاءات، قمت بتعيينه بناءً على توصية أحد القساوسة فقط لنحافظ على مظهر العمل النظامي. عملياً لم نكلفه إلا بأعمال السعاة قليلة الأهمية أو الرد على المكالمات الهاتفية وترتيب الملفات. بالطبع أعني الملفات غير المهمة التي لا قلق منها. أما البريد فلم يُسمح له بفتحه قط، والخطابات المهمة كنت أدقها بيدي دون عمل نسخ على الآلة الكاتبة.

*أي مستند مهم كنت أحمله بنفسي إلى المنزل، والمحادثات السرية لا أجريها إلا في غرف الأديرة أو الغرفة الطبية لعمي.

*وبفضل تدابير الحيطة هذه، لم يتوصل الجاسوس لشيء من المجريات الأساسية، ولكنه بتطلعه وتحذلقه انتبه عن طريق صدفة مؤسفة أنه محل ريبة وأن ثمة أشياء مثيرة تجري من وراء ظهره، ربما زل لسان أحد المراسيل في غيابي وتحدث سهواً عن (جلالته) بدلاً من (البارون فيرن) كما اتفقنا أو أن النذل فتح الجوابات دون وجه حق.

*أياً كان، استطاع أن يحصل على أمر بمراقبتنا من ميونخ أو برلين قبل أن ألتفت للأمر. ولم أتذكر إلا بعد مضي فترة طويلة وإلقاء القبض عليّ، كيف تبدل حاله في الشهور الأخيرة بعدما كان مهملاً لعمله في البداية لتحل عليه همة مفاجئة، وكيف عرض وبإلحاح أكثر من مرة أن يوصل خطاباتي إلى مكتب البريد. إذن، لا أستطيع أن أبرئ نفسي من شيء من عدم اليقظة، ولكن كم من دبلوماسي أو ضابط كبير وقع فريسة للحيل الخبيثة في زمن حكم هتلر.

*ثم تبين عملياً الاهتمام والعناية التي كان يوليها البوليس السري الألماني (الجيستابو) بشخصي منذ زمن قبل واقعة القبض عليّ التي تمت مساء تنحي شوشنيج من منصبه، وقبل دخول هتلر فيينا بيوم على أيدي رجال الجهاز الأمني؛ الاس اس. لحسن الحظ، تمكنت من حرق أهم الأوراق فور سماعي خطبة وداع شوشنيج عبر المذياع. أما باقي المستندات الحيوية التي لم يكن من الممكن الاستغناء عنها لاحتوائها على الأدلة تثبت ثروات الأديرة واثنين من الأمراء المودعة في الخارج، فقد خبأتها – في الدقيقة والثانية الأخيرة قبل أن يحطم هؤلاء الباب من شدة طرقهم عليه – في سلة غسيل لتحملها خادمتي العجوز الأمينة إلى عمي.

*توقف الدكتور «ب» عن الحديث ليشعل سيجارة، وأظهر الضوء رعشة عصبية في طرف فمه الأيمن، كنت قد لاحظتها من قبل، وراقبت كيف تتكرر كل بضعة دقائق. كانت حركة خاطفة لا تكاد تُرى، لكنها أضفت مسحة غريبة من التوتر على وجهه

ثم استكمل يقول: (لعلك تتوقع أن أحكي عن معسكرات الاعتقال التي أقتيد إليها كل من ظلوا على وفائهم للنمسا القديمة، وعما تعرضت له من إهانات وعذابات. لكن شيئاً من هذا لم يحدث لم أُقحم مع تعساء الحظ الذين وقعوا في أيد أذلتهم جسدياً ونفسياً لتفش سخطها المكبوت، لكن مع فئة محدودة مختلفة تماماً، أراد النازيون إما أن  يحصلوا منهم على مال أو معلومات هامة. لم يمثل شخصي المتواضع أي أهمية للجيستابو بالطبع، لكن لا بد أنه نما إلى علمهم أننا موظفو و مدير و أعدائهم اللدودين وواجهتهم ما أرادوا أن يستنطقوه مني هي أدلة تدينهم شيء ليثبتوا به على الأديرة جريمة التحويل الاحتيالي للثروات أو أي أدلة ضد الأسرة القيصرية وكل من دافع في النمسا ببسالة عن النظام الملكي كانوا يظنون – وفي الواقع لم يكن ظنهم بعيدا عن الحقيقة – أن مبالغ كبيرة من هذه الأموال التي عبرت من خلالنا لا تزال مخفية بعيدة عن أيديهم الناهبة.

*ولذا أتوا بي من أول يوم، لينتزعوا مني هذه الأسرار بأساليبهم التي أثبتت نجاعتها. لذا لم يدخل أمثالي – الذين كان مطلوب الضغط عليهم للوصول إلى مستندات مهمة أو أموال – إلى معسكرات، بل تعاملوا معنا بطريقة خاصة. وربما تتذكر أن مستشارنا وكذلك البارون روتشيلد – الذي عقدوا آمالهم على أن يستولوا على ثروة أقربائه التي تقدر بالملايين – لم يلقلوا بهما وراء الأسلاك في معسكرات مع المساجين قط، بل تظاهروا بمحاباتهما بإسكانهما في فندق، تحديداً فندق المتروبول، الذي كان أيضاً مقر الجيستابو الرئيسي؛ حيث حصل كل منهما على غرفة معزولة. حتى أنا قد حصلت على هذه الميزة.

نهاية المداد:

لا تصدقوا الكلمات اللطيفة .. خذوا الحقيقة من أفواه المواقف

(نجيب محفوظ)