
الفاشر.. حين يعيد التاريخ إنتاج المأساة بين (ود تورشين) وميليشيات الحاضر
عمرو خان
*في قلب دارفور، تقف الفاشر اليوم على خط الزلازل ذاتها التي عرفتها قبل أكثر من قرن، حين تحولت إلى مسرح لثورة المهدية وخليفتها عبد الله ود تورشين، الذي أضفى على التاريخ السوداني واحدة من أكثر صفحاته دموية واضطرابًا. المشهد الراهن في الفاشر، مع ميليشيات الدعم السريع، يعيد إلى الأذهان تلك الحقبة: سلطة تقوم على السلاح، أساطير تُسوَّق لتبرير القتل، وأرض يدفع أهلها الثمن من حياتهم واستقرارهم. وبين الماضي والحاضر، يبدو أن الفاشر لم تبرح دائرة المأساة، بل تستعيدها في صورة جديدة، تفضح كيف يعيد التاريخ نفسه حين يُترك مصير المدن بيد الطامحين للسلطة عبر القوة لا الشرعية.
*الفاشر كذاكرة متكررة: الفاشر ليست مجرد مدينة في غرب السودان، بل هي مرآة لتاريخ طويل من الصراع على النفوذ. منذ أن كانت عاصمة سلطنة دارفور، بقيت رمزًا للسلطة، ومن يسيطر عليها يظن أنه أمسك بمفاتيح الإقليم كله. واليوم، كما في الأمس، تعود الفاشر لتكون ساحة تتكثف فيها كل مظاهر الصراع السوداني: الطموح السياسي، السلاح المنفلت، والمجازر التي يدفع ثمنها المدنيون.
التاريخ يعيد نفسه: من ود تورشين إلى ميليشيات اليوم :في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، برز عبد الله ود تورشين، المعروف بالتعايشي، كظلٍّ ثقيل للمهدي. لم يكن المهدي في بداياته يحمل مشروعًا سياسيًا منظّمًا، لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام فكرة صاغها ود تورشين: أن يكون الإمام مهدياً منتظراً، وأن تُحوّل الدعوة الدينية إلى ثورة عسكرية. هذا التوظيف للفكرة الروحية من أجل الغلبة بالسياسة والسلاح، يشبه إلى حد بعيد ما يجري الآن في الفاشر، حيث ميليشيات الدعم السريع تُسخّر خطابًا دعائيًا عن (الحقوق) و(المظلومية) لتبرير ممارسات مليئة بالبطش.
*الفساد في الأرض: الماضي والحاضر: المهدية في زمانها لم تخلُ من الفساد، إذ انتشر القتل والنهب وأكل أموال الناس بالباطل تحت غطاء (الجهاد) و(الفتوحات) اليوم، المشهد يكاد يتكرر: الأسواق تُنهب، البيوت تُحرق، والمواطنون يُهجّرون من أرضهم. وكأن الفاشر تعود إلى دورة تاريخية قاسية، حيث تُختزل حياة البشر في حسابات السلاح والغنائم
الإمام والواجهة، والخليفة وصاحب القرار.
*التاريخ يروي أن الإمام محمد أحمد المهدي كان واجهة دينية، بينما السلطة الحقيقية والقرار العملي كانا بيد الخليفة التعايشي. في المشهد الراهن، يمكن أن نقرأ تماثلاً: هناك رموز تُقدَّم كواجهات سياسية أو اجتماعية، لكن القوة الفعلية كامنة في أيدي أمراء الحرب وقيادات الميليشيات، ممن يقررون مصائر الناس بلا تفويض شعبي ولا سند شرعي
*الوسوسة وصناعة الوهم: ود تورشين لم يكتفِ بالهيمنة على القرار، بل زرع في أذهان أتباعه وهمًا كبيرًا: أن المهدي مُبشَّر به في الحضرات النبوية، وأن حركتهم هي بداية (الخلاص) هذه الصناعة للوهم تشبه خطاب الميليشيات اليوم، التي تُقدِّم نفسها كمنقذ للفاشر وأهلها، بينما أفعالها اليومية تناقض هذا الخطاب تمامًا، وتزرع الموت والخراب بدلاً من النجاة.
*الفاشر بين مطرقة التاريخ وسندان الحاضر: تدفع الفاشر ثمنًا متكررًا عبر الزمن, ففي زمن المهدية، عرفت القتل والاضطراب والتهجير، وفي الزمن الحاضر، تعيش الكارثة نفسها بوجه جديد. ما بين الأمس واليوم، يبقى القاسم المشترك هو معاناة الناس، وانهيار المجتمع المحلي الذي لطالما كان متماسكًا في وجه العواصف.
*خلاصة القول المشهد في الفاشر ليس مجرد حدث عابر، بل هو اختبار للذاكرة السودانية. إذا لم تُقرأ أحداث الماضي بوعي، فسيظل الحاضر يعيد إنتاج المأساة نفسها. إن استعادة الفاشر اليوم لصدى الفاشر قبل قرن ونصف، تقول لنا بوضوح: الميليشيات مهما تلونت شعاراتها، هي في جوهرها إعادة تدوير للاستبداد والنهب. والتاريخ يعلمنا أن إنقاذ المدن لا يتم إلا بوعي أهلها وتماسكهم، لا بالرهان على وهم جديد.
*كاتب صحفي مصري