
لآلئ بأقلامهم (29)(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (م)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*بدأ تدريجياً مع التقليد الآلي لجولات المعلمين يستيقظ بداخلي إدراك للفنيات وشعور بالمتعة. تعلمت أن أتبين الدقائق والحيل والذكاء في الهجوم والدفاع، وأصبحت ملماً بأساليب التفكير الاستباقي والتخمين والرد على هجوم، واستشفيت اللمسة الخاصة لكل لاعب شطرنج وأسلوبه الفريد كما يعرف الشاعر من بضعة أبيات دون خطأ.
*ما بدأ كمشغلة لملء الوقت تحول إلى متعة، وأعظم لاعبي الشطرنج الاستراتيجيين؛ كأليخين ولاسكر وبوجوليوبو وتارتاكوير تحولوا إلى رفقاء أعزاء في وحدتي. وسكنت لا نهائية من التنويع زنزانتي الهادئة يومياً كما أن انتظام التدريبات الذهنية أعاد إليّ ثقتي في قدراتي العقلية المزعزعة؛ شعرت بتجدد من كثرة التدريب وكأن مخي صقل من جديد. أصبحت أفكر بوضوح ودقة أكبر كما ظهر تحديداً خلال الاستجوابات؛ فدون أن أدرك تدربت على رقعة الشطرنج على فن صد التهديدات الكاذبة والمراوغات المقنعة حتى أصبحت ملماً بها إلماماً تاماً. من تلك اللحظة لم تعد الاستجوابات تشعرني بالضعف وخيل إليّ حتى أن رجال الجيستابو بدأوا ينظرون إليّ بشيء من الاحترام.
*ربما كانوا يسألون أنفسهم سراً، بعدما رأوا الآخرين وهم ينهارون جميعاً – عن المصدر الخفي لقوتي التي أنهل منها وحدي هذه المقاومة والثبات.
*لم تدم هذه الأوقات السعيدة التي كنت أعيد فيها لعب المائة وخمسين جولة من الكتاب كل يوم بانتظام أكثر من شهرين ونصف أو ثلاثة أشهر، ثم وصلت فجأة إلى نقطة النهاية. وجدت نفسي مرة أخرى واقفاً أمام العدم. فبعد لعبي كل دور عشرين أو ثلاثين مرة، يفقد الدور طرافته، وعنصر المفاجأة يستنفد قدرته على الإثارة والتشويق. فما الجدوى من تكرار دور مرات ومرات بعدما حفظت كل خطوة؟ مع كل حركة افتتاحية كانت الخطوات تتوالى تلقائيا خطوة تلو خطوة دون مفاجآت ولا ترقب ولا معضلات (يتبع).
نهاية المداد:
اختر الصمت كفضيلة، لأنك بفضله تسمع أخطاء الآخرين وتتجنب أن تقع فيها.
(برنارد شو)