قصة أغنية – يا صوتها
بعين مفتوحة
د. خالد البلولة
للفنان سيد خليفة نصيب وافر من الأغنيات التي ارتبطت بقصص إنسانية وعاطفية،فمن أشهر أغنياته أغنية (النهاية) للشاعر هاشم صديق،حيث ذكر في سهرة بقناة النيل الأزرق أن القصيدة كانت تعبيرًا عن تجربة عاطفية عاشها صديقه مكي سنادة، وأغنية (صوت السماء) التي أحاطت بها الروايات والقصص.
يتداول عامة الناس أن أغنية (يا صوتها) كُتبت في المذيعة ليلى المغربي، وللباحث في التاريخ الاجتماعي للغناء السوداني أمير أحمد حمد رواية أخرى، مفادها أن الشاعر محمد يوسف موسى استلهم القصيدة من صوت مذيعة تعاونت مع الاذاعة السردانية في برامج المنوعات، وعرفت بعذوبة صوتها وجمال ادائها وحضورها الإذاعي اللافت يصف الشاعر صوت المذيعة صاحبة القصة بأنه يشبه الصباح في صفائه وإشراقه،ويتسم بالطلاقة والرشاقة والعذوبة،والرقة والدلال:-
مثل الصباحِ
طلاقةً ورشاقةً
وتخطُّرًا
وهَمْسًا حنينًا حالمًا
وصبابةً وتأثُّرًا
يقصد الشاعر (بالتخطر )التبختر والتهادي في المشي بدلال ورشاقة.وقد شبَّه الشاعر انسياب صوت المذيعة عبر الأثير بحركة الصباح في إشراقه وبهائه،ومشية الفتاة الرشيقة المتهادية في اعتزاز وجمال:
وهَمًّا حنينًا حالمًا
وصبابةً وتأسرًا
يصور الشاعر ما أحدثه ذلك الصوت العذب في نفسه من مشاعر متدفقة بالحنين والشوق والوجد وعالم من الأحلام والذكريات والعواطف الرقيقة.فالصوت حضور وجداني آسِر، يجمع بين إشراقة الصباح، ورشاقته،وعذوبة الحنين،
يا صوتها لما سرى
لما أتى
سُكراً ولا كأساً تُرى
يا صوتها يا روعةً
لحناً طبيعياً سرى
فالشاعر يستقبل الصوت كما لو أنه نشوةٌ خالصة، تُحدث في النفس أثر السُّكر من غير خمر ولا كأس،وهي استعارة بليغة تشير إلى ما أحدثه الصوت من طرب وانتشاء واستغراق وجداني.ثم يصف بأنه لحنٌ طبيعي ليس متكلفاً أو مصطنعاً، وإنما ينبع بعفوية وعذوبة، ويكشف تكرار النداء (يا صوتها)عن شدة الانفعال وعمق التأثر، وكأن الشاعر يخاطب الصوت ذاته لما استولى على وجدان
تقول الإعلامية محاسن سيف الدين:كتبت أغنية (يا صوتها)في الراحلة عوالي عطا،(رحمها الله )وقد كتبتُ عن هذه المعلومة كثيرًا،ويعلم بها زوجها،ويعرفها بعض زملائها في الإذاعة السودانية.ونفت محاسن أنها القصيدة كُتبت في ليلى المغربي كنا نحن وعوالي والشاعر محمد يوسف موسى جيرانً، ولذلك فإننا نعرف ملابسات هذه القصة عن قرب،ونشهد بأن عوالي كانت الملهمة الحقيقية لهذه القصيدة الخالدة… وعملت بالاذاعة السودانية مذيعة متعاونة بقسم المنوعات وشاركت في تقديم عدد من البرامج .
*لحن الاغنية:-
وجاء لحن الفنان سيد خليفة ليمنح القصيدة حياة أخرى. فقد أبدع في صياغة لحن شفيف، عذب، ومتدفق،عبر عن الكلمات تعبيرا بديعًا فترجم ما فيها من جمال وحنين وإعجاب إلى أنغام نابضة بالحياة.واستطاعت الأغنية أن تشق طريقها إلى قلوب جماهير واسعة من المستمعين،وأن تحتل مكانة مميزة في الوجدان السوداني،
في أغنية (يا صوتها)أو(صوت السماء)، يلفت الانتباه التوظيف الذكي للآلات الموسيقية في التوزيع الذي قدمه الفنان سيد خليفة. فوظف آلات النفخ،خاصة الساكسفون والترومبيت، لتمنح اللحن اتساعًا ورحابةً،وكأنها تجسد انطلاق الصوت عبر الأثير،وهو المعنى الذي تؤكده كلمات الأغنية.
ويتصدر الكمان المشهد في المقاطع الوجدانية، بما يحمله من دفء وحنين وشجن، فينسجم مع الصور الشعرية الرقيقة التي تصف نعومة الصوت وعذوبته، ويضفي على الأداء بعدًا عاطفيًا عميقًا…
وهمي حنينا حالما وصببابة وتاثرا
وتدفقت كلماتها دفئا نيديا اخضرا
عبقا يضوء برائة شذى يفوح تخترا
أما الإيقاع، فلم يأتِ طاغيًا أو صاخبًا،وإنما ظل في الخلفية يؤدي دورًا داعمًا، محافظًا على توازن الأغنية، حتى تبقى الكلمة واللحن والصوت هي العناصر الأكثر حضورًا.واستخدمت الآلات لخدمة النص وإبراز الحالة الشعورية التي أرادها الشاعر والملحن..ولعل هذا التوازن بين آلات النفخ، والكمان، والإيقاع الهادئ، هو ما منح «يا صوتها» ذلك الطابع الكلاسيكي الأنيق الذي جعلها من الأعمال الخالدة في الغناء السوداني.
ياصوتها يا روعة لحنا طبيعيا سرا
ماج الكنار مغردا والناي زاح تحسرا
والعندليب اذا حكى شوقا تدفق ابحرا
ماذا يكون وصوتها صوت السماء من الذرا
وحهة نظر أخرى :-

تكشف الأستاذة عاطفة عطا محمد سليمان شقيقة الراحلة عوالي عطا، تفاصيل قصة أغنية صوت السماء التي كتبها الشاعر محمد يوسف موسى ولحنها وغناها الفنان سيد خليفة…بقولها :(لم يكن الشاعر محمد يوسف موسى غريباً عن دارنا، بل كان فرداً من الأسرة، تربطه بأشقائي عاكف وعادل وعزت صداقة متينة وعلاقة إنسانية عميقة. كان منزلنا في تلك الفترة أشبه بمنتدى ثقافي وصالون أدبي،يجتمع فيه الادباء و الشعراء والفنانون في أمسيات عامرة بالشعر والغناء ومن بين الحضور الشاعر التجاني سعيد، والراحل سعد الدين إبراهيم، إلى جانب عدد كبير المبدعين.
وتضيف عاطفة :-في ظل هذه العلاقة الوثيقة،تقدم الشاعر محمد يوسف موسى لخطبة شقيقتي عوالي رحمهما الله، وكانت تلك التجربة الإنسانية مصدر إلهام له،فكتب فيها أغنيته الشهيرة والخالدة (ياصوته) التي أصبحت واحدة من روائع الغناء السوداني…غير أن الأقدار شاءت ألا يكتمل هذا الارتباط بالزواج، لأسباب لا أعلمها، إلا أن ذلك لم يؤثر في علاقة الود والاحترام التي ظلت تجمع الشاعر بأسرتنا حتى وفاته.
تروي الإعلامية محاسن سيف الدين أن الأغنية كُتبت في بدايات سبعينيات القرن الماضي، وكانت المذيعة عوالي تعمل في قسم المنوعات بالإذاعة،في وقت كان عدد المذيعات فيها قليلًا جدًا…وترى محاسن أن عبارة «الأثير» في كلمات الشاعر ربما يقصد بها أثير الإذاعة خاصة وأن المذيعة كانت تتميز بصوت هامس،رقيق، شجي وعذب، وهو صوت لافت يجسد أنوثة طبيعية آسرة، الأمر الذي ترك أثرًا واضحًا في نفوس المستمعين،..
يمكن فهم النص على أنه لا يمدح المذيعة لذاتها، وإنما يحتفي بالصوت الإذاعي الجميل بوصفه رمزًا لرسالة الإذاعة. فالمذيع هو صوت الوطن وضمير المجتمع، يحمل ثقافته وقيمه إلى الناس، ولذلك كانت العناية باختيار الأصوات العذبة والمؤثرة ضرورة مهنية، لأنها ترافق المستمعين وتستقر في ذاكرتهم ووجدانهم.
رحلت المذيعة صاحبة الأغنية في العام ٢٠٢٤ .. بعد سنوات حافلة بالعطاء في ميادين الحياة المختلفة ..