الكرمك.. حسناء النيل الأزرق التي تتزين بالذهب الجبلي
- جبال الإنقسنا حُبلى بكميات كبيرة من النحاس والكروم والكوارتز وأجود أنواع عسل النحل في العالم
- نساء يعملن في التعدين السطحي للذهب بجبال الكرمك .. وتاريخ المدينة يعود إلى مملكة الفونج
- مؤشرات جيولوجية لوجود بترول وغاز في الحوض الرسوبي للنيل الأزرق
(الصور)
الكرمك.. حسناء النيل الأزرق
الوازا.. الشهيرة عالميا
خارطة توضح موقع الكرمك بإقليم النيل الأزرق
تحقيق ــ التاج عثمان:
الكرمك مدينة حدودية مع أثيوبيا تقع بإقليم النيل الأزرق ذات تاريخ عريق موغل في القدم.. تقع أقصى جنوب شرق السودان مباشرة على الحدود مع اثيوبيا.. تبعد عن الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق بحوالي 300 كلم.. والكرمك باللغة المحلية لقبائل الأإنقسنا تعني (ملتقى الخيران) او (مكان إلتقاء المياه) وذلك لكثرة الخيران والوديان مثل خوري القنا ويابوس.. والكرمك منطقة جبلية تتميز بمعدل تساقط غزير للأمطار في الخريف.. وتعد منطقة الكرمك وقراها من أخصب الأراضي السودانية.. وتذخر بثروات زراعية ومعدنية هائلة يمكن ان تصبح سلة غذاء النيل الأزرق ومنجم كبير للذهب والنحاس والكوارتز.. وتعد بوابة السودان مع اثيوبيا وكما قال أحد أعيانها: (أي سلام في النيل الأزرق يبدأ من الكرمك).. وبمناسبة عودة مدينة الكرمك لأحضان الوطن من دنس المليشيا المتمردة تورد (أصداء سودانية) معلومات تفصيلية عن حسناء النيل الأزرق (الكرمك) التي تتزين بالذهب الجبلي عبر هذا التحقيق التوثيقي.
المدينة التاريخية:

يعود تاريخ الكرمك إلى مملكة الفونج التي كانت جزاءا من مناطق نفوذ لمملكة سنار الإسلامية (السلطنة الزرقاء) خلال القرن السادس عشر.. وحسب إحصاء 2008 وتقديرات حكومة إقليم النيل الأزرق، يبلغ عدد سكان الكرمك حوالى (50 ــ 70) ألف نسمة داخل المدينة والقرى حولها، لكن بسبب الحرب نزح 80% من سكانها إلى الدمازين والروصيرص وإقليم بني شنقول، والمدينة أصبحت مهجورة تماما بسبب الحرب أهم قبائلها قبائل الإنقسنا وهم سكان المنطقة الأصليين، ولديهم نظام ملكي خاص بهم وإدارة أهلية يعود عمرها لمئات السنين، ويشتهرون بموسيقى مشهورة عالميا وهي (الوازا)، ويمارسون الزراعة وصناعة الفخار، بجانب الفلاتة والهوسا وقبائل صغيرة أخرى، يعتمدون على الزراعة المطرية والتجارة الحدودية مع أثيوبيا، بجانب التعدين الأهلي.. وكانت الكرمك محطة تجارية مهمة في الطريق التجاري بين السودان والحبشة، فيها يتم تبادل البن الحبشي بعسل الكرمك الجبلي الشهير، بجانب البهارات والمواشي.. وفي عهد الإستعمار إعتبرها الإنجليز منطقة مقفولة ومنعوا دخول العرب الشماليين إليها بحجة المحافظة على عادات الإنقسنا.. وعام 1956 عند إستقلال السودان أصبحت الكرمك جزءا من مديرية النيل الأزرق وقتها.
خلال الأعوام (1983 ــ 2005) تأثرت منطقة الكرمك بحرب الجنوب، إذ أنها كانت خط إمداد للحركة الشعبية.. وكانت من أوائل المدن التي سقطت بيد الحركة الشعبية قطاع الشمال، فنزح منها أكثر من 200 ألف مواطن للمعسكرات باثيوبيا والدمازين والروصيرص.. وتعرضت وقتها لتدمير شامل كامل لبنياتها التحتيتة من مستشفيات ومدارس وطرق.. وعام 2020 مع سلام جوبا بدأت العودة الطوعية للنازحين إليها.
ثروات الكرمك:
تعد منطقة الكرمك من أغنى مناطق السودان بالمعادن، فهي لا تزال حبلى بكميات من الذهب، ويوجد بها نشاط تعديني تقليدي للذهب بجبال الكرمك ويابوس وخور القنا، وسكان الكرمك يستخرجون الذهب من عروق (الكوارتز).. وأشهر مناطق الذهب بمنطقة الكرمك هي:
ــ جبال يابوس: تقع على بعد 40 كلم شرق مدينة الكرمك، وتعد منطقة يابوس عموما أشهر منطقة لتعدين الذهب بالنيل الأزرق وإنتاجها يعد الأكبر منذ 20 سنة.. وتذخر بعروق معدن الكوارتز، او (رمل الزجاج)ن وهو عبارة عن بلورات شفافة بيضاء من ثاني أكسيد السيليكون، والذي يعد ثاني أكثر معدن موجود في القشرة الأرضية بعد معدن (القلسبار)، ويوجد بكثرة بجبال يابوس والكرمك وخور القنا، ويعثر عليه مختلطا مع عروق الذهب، وكما قال لي أحد قدامى المنقبين: (الذهب يمسك في الكوارتز، لذلك فإن المنقبين عن الذهب يبحثون دائما عن الحجر الأبيض).. و90% من الزجاج مصنوع من رمل الكوارتز، والذي يدخل أيضا في صناعة الإلكترونيات خاصة شرائح الموبايلات، والكمبيوترات، والساعات، وفي صناعة السيراميك والبورسلين، ولذلك فسعره عالميا مرتفع خاصة المستخدم في الإلكترونيات، وقدم لي المنقب معلومة مجانية للمنقبين الجدد عن الذهب: (إذا وجدت كوارتز أبيض متكسر فغالبا ما تجد تحته الذهب.. وإذا رأيت جبل أبيض فهو جبل كوارتز وهو مؤشر لوجود الذهب.. ولو وجدت صخورا خضراء غامضة اللون فأبحث بثقة عن معدن الكروم).. والكروم معدن صلب رمادي فضي اللون لامع، يوجد بكثرة في جبال النيل الأزرق وجنوب كردفان والبحر الأحمر، ويوجد بالكرمك في صخور (السربنتين) جنوب الكرمك، ويستخدم في صناعة حلل معالق الأستنلس او الإستيل فهو لا يصدأ، أيضا يستخدم في تلميع طلاء العربات الفارهه، وحنفيات المياه، وحديد الطائرات، ويدخل في دباغة الجلود، ولذلك سعره مرتفع عالميا يصل إلى (3 ــ 5) ألف دولار للطن الواحد.
ــ جبال الكرمك: داخل وحول مدينة الكرمك، ويحتوي على عروق ذهب ضحلة، أي التعدين السطحي وليس بحفر الآبار، ولسهولة الحصول عليه تعمل في التنقيب السطحي النساء أيضا.
ــ خور القنا: يقع على بعد 25 كيلو جنوب شرق الكرمك، يحتوي على ذهب (غريني) وعروق الذهب.
ــ قيسان: 80 كلم شمال الكرمك، تحتوي على ذهب عروق وغريني، لكنه يقع في منطقة نزاع على الحدود مع أثيوبيا.
ــ وادي بيلا: 60 كلم جنوب مدينة الكرمك، ويحتوي على ذهب غريني، ومن عيوب تعدينه انه يحتاج إلى مضخات مياه.
وحسب تقديرات عام 2024 يبلغ عدد المنقبين عن الذهب بالمناطق المذكورة حوالى (8 ــ 12) الف منقب بكل منطقة الكرمك، ويصل إنتاج هذه المناطق مجتمعة إلى (15 ــ 25) كيلو ذهب شهريا، حسب تجار الذهب بالكرمك والدمازين.. وسعر جرام ذهب الكرمك أقل من سعر البورصة بنسبة 15% بسبب السماسرة.. وتعد الشركة السودانية للموارد المعدنية، فرع الدمازين، هي الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم عمليات التعدين.. من جانبها شرعت الإدارة الأهلية وشيوخ الإنقسنا في عمل تصاديق محلية للتعدين عن الذهب بمناطقهم.. وهناك مسوحات قديمة لوزارة المعادن الإتحادية تشير على وجود إحتياطي ذهب بالنيل الأزرق يقدر بحوالي 20 طن ذهب.. ومعلوم ان إقليم النيل الأزرق والكرمك جزءا منه، تدخل في نطاق، (الحوض الرسوبي للنيل الأزرق)، وحسب وزارة الطاقة السودانية هناك مؤشرات لوجود بترول وغاز في الحوض المذكور، لكن حتى اليوم لم يتم عمل مسوحات زلزالية في الكرمك بسبب النزاعات السابقة والحالية.
العسل الجبلي:

بخلاف الثروات المعدنية التي تذخر بها باطن أرض الكرمك، فهي واعدة بإنتاج زراعي وفير لتوافر الأراضي بالغة الخصوبة، والأمطار الغزيرة التي يصل معدلها (800 ــ 1200) ملم، ولذلك فإن زراعة السمسم والذرة والصمغ العربي والبن والمانجو والموز تزدهر فيها بدرجة تفوق مثيلاتها بالمناطق الأخرى، يساعدها في ذلك وجود مياه غزيرة للري من المياه الجوفية والخيران الدائمة والموسمية، والتي يمكن الإستفادة منها في توليد كهرباء مائية صغيرة حسب بعض الدراسات التي أجريت هناك.. وهي بهذا الإنتاج الزراعي الوفير عالي الجودة تعتبر، وبوجود الري الدائم من امطار وخيران، تعتبر سلة غذاء النيل الأزرق.. بجانب ثروة حيوانية كبيرة، يساعد على تكاثرها وجود المراعي الطبيعية الخصبة للأبقار والماعز والأغنام.. كما تذخر بمنتجات غابية مقدرة خاصة عسل النحل الجبلي المشهور عالميا
أخيرا:
للأسف لعدم إستقرار منطقة الكرمك لم تستغل كل هذه الثروات الزراعية والمعدنية من شركات الإستثمار الأجنبية والوطنية لتخوفها من الحروب والنزاعات المستمرة في إقليم النيل الأزرق.. بجانب إهمال الحكومات المتعاقبة للبني التحتية بالنيل الأزرق عامة حيث لا توجد فيها طرق مسفلتة عدا طريق الدمازين سنجه، وهو الأن في حالة يرثى لها وتحول لطريق ترابي وعر خاصة في الخريف بعد ضياع طبقته الأسفلتية لعدم الصيانة الدورية والمتابعة.. بجانب معاناة مدينة الكرمك من الكهرباء رغم انها لا تبعد من خزان الروصيرص المولد للكهرباء سوى 300 كلم فقط.. وعلى الحكومة السودانية بعد إنتهاء الحرب الإستفادة من الخيرات التي يذخر بها إقليم النيل الأزرق خاصة منطقة الكرمك وقيسان.. وتنظيم التعدين الأهلي للذهب ودمجه في شركات او تعاونيات صغيرة.. وضرورة عمل مسوحات جيولوجية وزلزالية جديدة للبترول والغاز، بجانب المعادن التي تذخر بها المنطقة (كروم ــ منجنيز ــ كوارتز)، إضافة للنحاس حيث رصدت دراسات جيولوجية قديمة وجود النحاس بجبال الإنقسنا بكميات كبيرة.