آخر الأخبار

هل يفتح البرهان بوابة العدالة المؤجلة أم تبدأ أصعب معارك دولة القانون؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*ليست المحكمة الدستورية في أي دولة مجرد مبنى يضم قضاة يرتدون الأوشحة القضائية، ولا هي مؤسسة تضاف إلى قائمة أجهزة الدولة، وإنما هي العقل القانوني الأعلى الذي يحتكم إليه الجميع عندما تتصادم السلطات، أو تُنتهك الحقوق، أو يختلف الناس حول تفسير الدستور.. إنها المؤسسة التي تضع الحدود الفاصلة بين السلطة والحرية، وبين القوة والقانون، وبين القرار السياسي والشرعية الدستورية. ولذلك كانت المحاكم الدستورية في العالم عنواناً لاستقرار الدول، وميزاناً دقيقاً يحفظ التوازن بين السلطات، ويحول دون استبداد أي سلطة بالأخرى، ويجعل الدستور وثيقة حية تحكم الواقع، لا نصوصاً جامدة تحفظ في الأدراج.

 

*وفي السودان، ارتبط تطور القضاء الدستوري بتطور التجربة الدستورية نفسها.. فمنذ الاستقلال تعاقبت الدساتير المؤقتة والدائمة، إلا أن فكرة إنشاء  (محكمة دستورية مستقلة) أخذت تتبلور بصورة أوضح مع( دستور) عام 1998، ثم اكتسبت مكانتها المؤسسية الكاملة في الدستور الانتقالي لسنة (2005)م، الذي منحها سلطات واسعة في الرقابة على دستورية القوانين، وحماية الحقوق والحريات، والفصل في النزاعات الدستورية، وتفسير النصوص الدستورية، والنظر في الدعاوى التي يكون الدستور فيها هو الفيصل الأخير.

*ولذلك لم تكن( المحكمة الدستورية) مجرد محكمة استئناف عليا، وإنما كانت المرجعية القانونية العليا التي لا تعلوها سلطة في تفسير( الدستور)، وهي التي يفترض أن تقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، وأن تجعل من( الدستور) سيداً على الجميع، حكاماً ومحكومين.

*غير أن السنوات الأخيرة، بما حملته من اضطرابات سياسية وأمنية، ثم الحرب المدمرة التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023م وقادتها المليشيا المتمرده الارهابيه (الدعم السريع) ، أدت إلى تعطيل عدد من المؤسسات العدلية والدستورية، وكان غياب( المحكمة الدستورية) من أخطر مظاهر ذلك التعطيل، لأن غيابها لم يكن يعني توقف مؤسسة قضائية فحسب، بل غياب المرجعية التي تحسم أعقد القضايا( الدستورية)، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتضبط العلاقة بين السلطات في لحظة كانت البلاد أحوج ما تكون فيها إلى الاحتكام للقانون.

*ومن هذا المنطلق، يكتسب القرار الذي أصدره رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بإكمال عضوية المحكمة الدستورية، أهمية وطنية تتجاوز حدود التعيينات الإدارية، لأنه يعيد الحياة إلى واحدة من أهم مؤسسات الدولة العدلية، ويفتح الباب أمام معالجة ملفات قانونية تراكمت لسنوات، وأصبحت تمس حياة آلاف المواطنين ومؤسسات الدولة والاستثمار والتعليم والخدمة المدنية.

*وجاء القرار بعد نحو عشرة أشهر من تعيين مولانا (وهبي محمد مختار) رئيساً للمحكمة الدستورية، وهو قاضٍ عرفه الوسط القانوني السوداني بالكفاءة والخبرة والتدرج في مختلف درجات القضاء، وتميز بسجل مهني طويل في العمل القضائي، الأمر الذي جعل تعيينه محل ترحيب في الأوساط القانونية، باعتباره شخصية قادرة على قيادة المحكمة في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.

*كما اكتملت عضوية المحكمة بتعيين مولانا (سومي زيدان عطية)، ومولانا (ابتسام أحمد عبد الله)، ومولانا (محمد أحمد محمد طاهر)، ومولانا( محمد زمراوي ناصر)، ومولانا( عليش عثمان الحاج،( وهي أسماء تنتمي إلى المدرسة القضائية السودانية، وينتظر منها أن تسهم في إعادة بناء الثقة في القضاء الدستوري، وأن تقدم اجتهادات قانونية رصينة تتناسب مع جسامة المرحلة.

*غير أن القيمة الحقيقية لهذه التعيينات لن تقاس بالأسماء وحدها، وإنما بما ستنجزه المحكمة من أحكام تؤسس لمرحلة جديدة من سيادة القانون. فالمحكمة اليوم تقف أمام إرث ثقيل من القضايا المؤجلة، بعضها يتعلق بحقوق أفراد، وبعضها يمس مستقبل الدولة نفسها.

*ويأتي في مقدمة هذه الملفات ملف قرارات( لجنة إزالة التمكين)، التي ظلت منذ إنشائها واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في التاريخ القانوني السوداني.. فقد صدرت عنها قرارات مست قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة، وشملت إنهاء خدمات أكثر من أثنى عشر الف موظف وعامل  ونحو خمسة الف بروفسير ودكتور واستاذ جامعي ومن التعليم العام والعالي، وإلغاء تعيينات، ومصادرة ممتلكات، واسترداد أصول، وإعادة هيكلة مؤسسات، والتأثير في قطاعات الخدمة المدنية، والتعليم العالي، والإعلام والصحة، والاستثما، والمصارف، والشركات العامة والخاصة.

*وبينما رأى مؤيدو اللجنة أنها كانت أداة لتفكيك بنية النظام السابق واسترداد المال العام، رأى معارضوها أنها مارست اختصاصات ذات طبيعة قضائية دون الضمانات القضائية الكاملة، وأن عدداً من قراراتها ترتبت عليه آثار قانونية وإنسانية واسعة، وهو ما يجعل كثيراً من تلك الملفات مرشحاً لأن يكون محل نظر أمام المحكمة الدستورية، وفق ما يتيحه القانون والإجراءات القضائية.

*وإذا كانت المحكمة ستتعامل مع هذا الملف، فإنها ستكون مطالبة بالموازنة الدقيقة بين مقتضيات العدالة الانتقالية، وبين حماية الحقوق الدستورية، بحيث لا تضيع الحقوق باسم الإصلاح، ولا يُهدر الإصلاح باسم حماية الحقوق. وهذه من أعقد المعادلات التي واجهت المحاكم الدستورية في العالم، من جنوب أفريقيا إلى ألمانيا، ومن إسبانيا إلى دول أوروبا الشرقية بعد التحولات السياسية الكبرى.

*ولا يقل عن ذلك أهمية ما ينتظر المحكمة من قضايا تتعلق بالحقوق والحريات العامة، وحقوق العاملين الذين تأثرت أوضاعهم الوظيفية، والنزاعات حول الملكية والاستثمار، والطعن في بعض القوانين والإجراءات الاستثنائية، إضافة إلى تفسير النصوص الدستورية التي أصبحت محل خلاف في ظل تعدد المراحل الانتقالية وتداخل المرجعيات القانونية.

*كما ينتظرها دور مهم في حماية مبدأ استقلال القضاء، وترسيخ الفصل بين السلطات، ومنع تغول أي سلطة على اختصاصات الأخرى، وهي مبادئ لا تستقيم الدولة الحديثة إلا بها.

*إن السودانيين اليوم لا ينتظرون من المحكمة أن تصدر أحكاماً ترضي هذا الحزب أو ذاك، ولا أن تنتصر لهذا التيار أو ذاك، وإنما ينتظرون منها أن تنتصر للدستور وحده، وأن تجعل القانون فوق الجميع، وأن ترد الحقوق إلى أصحابها وفق البينات والإجراءات القضائية السليمة.

*فالدول لا تبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بالسياسة وحدها، وإنما تستقر حين يطمئن المواطن إلى أن هناك قضاءً مستقلاً يستطيع أن يلجأ إليه إذا انتُهك حقه، وأن الدستور ليس شعاراً سياسياً، بل عقداً اجتماعياً ملزماً للجميع.

*لقد أثبتت التجارب الدولية أن إعادة بناء الدول بعد الحروب تبدأ بإعادة بناء مؤسسات العدالة. فلا استثمار بلا قضاء مستقل، ولا إدارة عامة مستقرة بلا سيادة للقانون، ولا مصالحة وطنية بلا عدالة، ولا سلام دائم إذا بقيت المظالم بلا معالجة قانونية.

*ومن هنا، فإن اكتمال عضوية المحكمة الدستورية لا ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية لفراغ مؤسسي فحسب، بل باعتباره بداية لاختبار تاريخي جديد. فنجاح المحكمة لن يقاس بعدد الجلسات التي تعقدها، وإنما بجرأة أحكامها، واستقلال قضاتها، وسرعة الفصل في القضايا المتراكمة، وقدرتها على إعادة الثقة في العدالة السودانية.

*ويبقى الأمل أن تكون المحكمة الدستورية، وهي تستأنف أداء رسالتها، عنواناً لمرحلة تُحتكم فيها الدولة إلى (الدستورالانتقالي) ، ويكون القانون فيها المرجعية العليا، وتُصان فيها الحقوق بعيداً عن الاستقطاب السياسي، ليصبح القضاء، كما ينبغي أن يكون دائماً، حصن المواطن الأخير، وحارس الدولة الأول، والضامن الحقيقي لبناء سودان تسوده العدالة، وتحكمه المؤسسات، وتعلو فيه كلمة القانون فوق كل كلمة.