
المستقبل بيد الله
من المسافة صفر
د.سلوى حسن صديق
*وصولوا المدينة التي نشأوا وترعرعوا فيها,وصلوها ليلا
*سجد رب الأسرة لله شكرا،لامست جبهته التراب لم يحتاج أويفكر في مصلاة, أحس أنه أحوج ما يكون لهذه الرائحة.
*كان كمن ردت إليه روحه, سالت دمعة رفض أن يمسحها كأنما أرادها شاهدا على حبه كانت حقا دموع الفرح.
*شاركته أمه وزوجته تلك اللحظات والصغارالثلاث من حوله يتقافزون رغم الظلام باحثين في زوايا الدار الخالية عن ألعابهم.
*جالوا كل الأركان وفي براءة الأطفال وشقاوتهم كانوا يثرثرون ويحكون عن آخر ما تركوه.
*لم يجدوا غير مرجحانيتهم المحببة المصنوعة من الحبل التيل صرخ أحدهم كمن وجد كنزا ( المرجحانية المرجحانية) إقتربوا منها أكثر،كانت فروع الشجر قد تيبست من العطش.
*لحق بهم الوالد محذرا خاف أن يكون بقربها شيئا مما يخاف ويحذر بقايا سلاح أو جثة, ناموا ليلتهم تلك على حصيرة نفحهم لها الجيران.
*بعد أن إطمأنوا أخذت زوجته تسأله مابين فينة وأخرى اسئلة الغد التي لايملك لها إجابة فيكرر جملة . (واحدة (المستقبل ببد الله
*كانت تتعجب من هذه الإجابة الحذرة وهي التي تعودت منه التخطيط ومنذ أن عرفته مرتبا دقيقا تعلم من مهنته في سلك المحاسبة هذه الصفة.
*كان مستودع سر الشركة، الكل ينتظر منه لحظة ليسرقها من وقته المزدحم بجدول الأعمال المهمة فيبادله المعلومات أو يدله على الطريق,طريق المستقبل وربما لهذا كان أكثر الناس حزنا بعد النزوح الصعب وأيامه القاسية, معرفته باسرارالناس وأحوالهم كانت واحدة من أوجاعه الدائمة.
*عام ونصف قضوها بعيدين عن هذه البقعة الحبيبة إلى نفوسهم.
*راجعته مرة أخرى في إلحاح عن يوم غده فقال لها خليها على الله لكن سأبدأ بسوق أم درمان (ما بغلبني الشغل إن شاء الله ), ثم أردف ماقلت ليك المستقبل بيد الله
*نامت وفي نفسها شئ من حتى كما يقولون, تسأل نفسها عن سرهذا التغييرالذي أحسته عميقا في عبارات زوجها وكأنما يقرأ من كتاب.
*سرعان ما داوت هواجسها باورادها المعتادة وأردفت الصباح رباح.
*اشرقت الشمس عليهم وبدأوا يومهم كمن يبحث عن إبرة في كوم قش (من وين ياربي نبدأ), قالتها الجدة ورغم إنفراج أساريرها إلا أن في صوتها حزن عميق.
*بعد إستقبال الجيران (والمطايبة)وإكرامهم خرج صاحبناعلى أهل الحي يعانق من عاد منهم في فرح غامر وضحكات تعلو عنان السماء ثم يلج بيوتا معزيا في من فقدوا.
*بعد جولة حميمة تذكر أنه على موعد مع نفسه بالبداية خلال اليوم, عاد مسرعا إلى البيت.
*ألقى نظرة سريعة عليهم جميعا وعلى البيت الفارغ قالها بصوت مسموع الحمد لله ثم خرج.
*أول حافلة مواصلات تمر به أشرعليها وهو شارد البال يناوشه ويغمز فؤاده حديثه إليها بالامس..المستقبل بيد الله.
*إنتصف الطريق وهو سارح فيما هو مقدم عليه بينما الجميع يتناوبون علي الحديث عن المستقبل نفسه..كتم في نفسه ضحكة.
*تجاوزوا قليلا منتصف الطريق وقد إختار أحد الشبابيك ليطل منه على المدينة التي أحب.
*كان جزلا حد الفرح بهذه المشاهد التي غاب عنها كل هذه المده ..كانها دهور..قالها في نفسه قاتلهم الله وإنتقم منهم المتمردين الملعونين.
*كان يحدث نفسه ويتذكر إخوة ومعارف تركهم من خلفه حزينين لفراق ديارهم,( لقد تفرقت بنا السبل الحمد لله ) قالها لنفسه.
*لم يكمل صاحبنا دورة ذكرياته تلك وقبل أن يكمل تطوافه باغتهم الأوغاد بدانة فجرت الحافلة, كان حدثا عجيبا إرتجت له المدينة, توفى كل الركاب وهو من بينهم.
*سرعان ماسرى الخبر في كل المدينة وتكررت النداءات أن هلموا إلى المستشفى للتعرف على من بقي من الأجساد الزائلة.
*سمعت الخبر لم تنتظر لتخبر خالتها أخذت تجر ثوبها وهي مذعورة بل وتكاد تجزم إنه معهم.
*وصلت وليتها لم تصل كما قالت وجدته مسجي الحمد لله جسمه مكتمل.
*في لحظات الوداع الأخيرة نظرت إليه عميقا ثم أخذت تردد باكية ..المستقبل بيد الله