آخر الأخبار

حلزونية حمقاء

 

عدنان الدوسري – عراقي مقيم في الكويت:

في مساء شتائي بارد، كانت السماء خلف نوافذ المستشفى ملبدة بغيوم ثقيلة، وكأنها تستعد لوداع أحد أبنائها. في الطابق السفلي، حيث تختلط رائحة المعقمات بالخوف، كان يرقد وحيدا فوق سرير معدني متحرك، بينما يتحرك القلق في عينيه أكثر مما يتحرك الدم في عروقه.حاول أن يثبت نظره في السقف، لكن أفكاره كانت تهرب منه كطيور مذعورة. أمامه آلة ضخمة ذات فم حلزوني بارد تنتظره في صمت، وخلف النافذة كان رجل عجوز يحدق في الفراغ كمن ينتظر قطاره الأخير.

لطالما لاحقه الموت كلما ازدحمت ذاكرته بالوجوه القديمة. كلما استدعى أطياف الماضي، رآها تسير على حافة الغياب.. كان يشعر أن الحياة تبتعد عنه ببطء، وأن ظله نفسه صار أقل تعلقا بالأرض.

قال في سره:

ـ هل اقترب الموعد؟

ثم أغمض عينيه.لم يكن يتمنى الكثير. سرير دافئ، ليلة تشرينية ماطرة، قدح قهوة، وربما ضحكة أخيرة مع من أحبهم. لكنه كان الآن محاصرا بين جدران بيضاء وأسئلة لا يملك لها جوابا.

همس دون صوت:

ـ يا رب… إن كنت سأموت، فهل هناك شيء بعد الموت؟

لم يجبه أحد.

اقترب الممرضون. تحرك السرير ببطء نحو جوف الآلة. اشتعل ضوء أحمر ثم أزرق، فشعر وكأن العالم كله ينكمش حوله.دخل جسده داخل الأسطوانة الحلزونية.

اختفت الأصوات.اختفت الوجوه.ولم يبق سوى دقات قلبه تتردد في أعماقه كطبول بعيدة..أحس بالبرد يتسلل إلى أطرافه، وبالخوف يجثم فوق صدره. حاول رفع يده فلم يستطع. عندها أدرك أن القيود تثبت ذراعيه إلى السرير.

تمتم:

ـ أيها القلب… أين المفر؟ ما أقسى أن يغلق الإنسان عليه داخل آلة لا يرى فيها إلا العتمة والضوء.

ولكي يهرب من خوفه، فتحت الذاكرة أبوابها فجأة.

عاد سنوات إلى الوراء.

كان في مصعد أحد الفنادق الكبرى ضغط زر الطابق السابع عشر، وقبل أن يغلق الباب دخلت امرأة ذات ملامح غجرية وشعر أسود منفلت على كتفيها.

نظر إليها فمرت في رأسه كلمات قديمة:

والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا

ابتسم دون أن يشعر.بدأ المصعد بالصعود.وفجأة انطفأت الكهرباء.اهتز المصعد بقوة، وصرخت المرأة وارتمت في حضنه خوفا.لم يتذكر من تلك اللحظة سوى عطرها.ذلك العطر الذي ظل عالقا في ذاكرته سنوات طويلة.ثم عادت الكهرباء.ابتعدت عنه مرتبكة، واحمر وجهها خجلا

وصل المصعد إلى الطابق السابع عشر.

خرج مسرعا، لكنه ظل يتمنى لو تعطل المصعد مرةأخرى.

قطع ذكرياته صوت غريب.أصوات متداخلة ولهجات مختلفة.ثم رائحة احتراق خفيفة.فتح عينيه بصعوبة.

كان ما يزال داخل الآلة.سمع أحدهم يقول:

ـ اسحب القابض… وإلا سيموت الرجل.

شعر بقشعريرة تسري في جسده

مرت دقائق طويلة بدت كأنها أعوام

ثم بدأت الأصوات تتكاثر حوله

 

ـ يامهندس … ليش ما نسحبه بكماشة من رجليه؟

رد آخر:

ـ نتصل بالشركة الفرنسية ويجيبون خبير من عندهم ونخلص.

تنهد المهندس وقال:

ـ وإلى ذلك الحين شنسوي بيه؟

جاءه صوت ثالث ساخرا:

ـ ولكم… راح يخيس داخل الجهاز

ساد الصمت

صمت ثقيل كالحجر

كان يسمعهم جميعا، بينما هم يظنون أنه لا يسمع شيئا.

تخيلهم واقفين حول الآلة، يتبادلون الآراء، يرفعون أكتافهم، يلتقطون الصور، ثم ينسحبون واحدا بعد آخر، تاركينه وحيدا مع مصيره.

ازدادت الحرارة.ثم ازداد الاختناق.شعر أن جسده بدأ يذوب تحت العرق.اختلطت عليه اللحظات.لم يعد يعرف إن كان يحلم أم يحتضر.

همس بصوت مكسور:

ـ هل ادخرت أحدا يمشي خلف جنازتي؟

لم يجبه أحد.

في الخارج كانت الحياة تمضي كعادتها.السيارات تعبر الشوارع.الأطفال يعودون من مدارسهم.والشمس تواصل دورانها غير مكترثة بأحد.أما هو، فكان مستلقيا داخل تلك الحلزونية الحمقاء، بين خوف لا ينتهي وأمل لا يأتي.

وحين أغمض عينيه للمرة الأخيرة، تخيل لافتة سوداء معلقة على باب قديم، وقد كتب عليها:

(بمزيد من الأسى والحزن، ننعى إليكم رحيل)

ثم اختفى الاسم.واختفى الضوء..واختفت الأصوات.

ولم يبق في المكان سوى آلة صامتة، تواصل دورانها البارد، وكأن شيئا لم يحدث.