آخر الأخبار

أمير شعراء البطانة … عبد الله ود إدريس

حسن علي العجركي – السودان:

إذا قال النحويون في الشاعر الفرزدق: لولاه لضاع ثلث اللغة العربية، فإنّه يمكن القول في السودان إن الشاعر(عبد الله ود إدريس) يمثل جزءًا كبيرًا من روح اللغة المحلية السمحة، بما تحمله من مجادعات شعرية، دوبيت، غزل، مدح، رثاء، حماس وفخر، مع استعلاء للقيم السودانية، حتى لُقّب(بأمير شعراء البطانة).

واللغة هنا تمثل امتدادًا لقيمة التراث التي أشار إليها بعض الباحثين، ومنهم البروفيسور عبد الله الطيب، بأنها تنبع من أهل الوسط في السودان. وصدق القول، لأن عبد الله ود إدريس ينتمي إلى منطقة الوسط، فهو من(قرية الصافي) التي تقع في بادية الكبابيش بشمال كردفان، وهي المنطقة التي خرج منها أيضًا الشاعر محمد سعيد العباسي، أحد أعلام الشعر العربي السوداني.

وسكان هذه المنطقة نمط حياتهم بدوي يعتمد على رعي الإبل، ويشتهرون بثقافة شعر الدوبيت الذي يتغنون به للإبل والبادية، وهي البيئة التي خرج منها الشاعر. وهم ينتمون إلى بطن جهينة العربية المنتشرة في السودان ومصر والسعودية والعراق، مما يؤكد تقاطع الدوبيت مع فنون الرباعيات والموال أو (الماليا) المنتشر في هذه البيئات العربية.

يمتاز شعره بالبساطة وعمق المعاني في آن واحد، فهو قريب من وجدان كل طبقات المجتمع السوداني. يخاطب الشباب أحيانًا الذين يريدون التخلي عن المبادئ والقيم المثلى والأعراف السودانية في المجتمع المحافظ، خاصة جيل (Z) مواليد ما بعد التسعينيات الذين يعيشون في زمن التكنولوجيا وتسارع الحياة، بلغة قريبة من واقعهم وتفكيرهم.

وفي الوقت نفسه يوجه خطابه إلى الجيل الأكبر، جيل الآباء والأجداد ما قبل ثورة المعلومات، بأسلوب يحمل الحكمة والتجربة والحنين. وبهذا الجمع بين الأجيال يظل شعره حاضرًا ومؤثرًا في مختلف الفئات المجتمعية

وفي هذا السياق، يخاطب بالدوبيت الشباب وزمانهم، ويعكس تغير الزمن وسرعة إنتقال الأخبار في عصر الأنظمة الذكية، مقارنة بما كان في السابق حين كان الخبر ينقل عبر ساعي البريد والخطابات، مسلطًا الضوء على ما يكتنف عالم التكنولوجيا من (قيل وقال) وزيف في تداول المعلومات ونقل الأخبار الكاذبة. وفي هذا الاتجاه كتب ود إدريس

قبل التكنلوجيا تداهم الأسوار

كان الخبر دايرلو كم مشوار

هسع بسمع الفي أمريكا قبل الجار

بزيدوا مضاعف وبسولوا توم وشمار

الصح عشرة والعكس أدها التسعين

أمانة ما بهندسو الفتل اللحاهو متين

حقن الموية غير روابو وفاصة طين

بعرضوهن عليك قبل الحقيقة تبين

ثم ينتقل الشاعر إلى روح المجالس والجودية وإصلاح ذات البين، مستصحبًا رجاحة العقل والبصيرة والحكمة في معالجة المواقف التي تهز الإنسان وسط الخلافات بين الناس، داعيًا إلى العفو والتسامح والمساومة الحكيمة في فض النزاعات، ويجسد ذلك في قوله:

الوارث المكارم ما عليهو مخافة

خاف لي الدابو في توب العبوس بتلافا

الأصهب بزيم وكتين يجيبو الطافة

في حياض الدنس ما بتشرب العوافة

العاقل بشوف سمح الطرق لي ناسو

القص بالأتر والعود بكسرو يباسو

البتابن الشجر الضليل بي فاسو

ما يستنكر الحر إن دنت لي راسو

الأيام بتستر طابل المستور

والحاجبو  الدهب لا بد ياري النور

البيت بالقيم ما بالضرورة السور

والمجلس حكيمو بجبر المكسور

كونك تنتصر في حجة ولا قضية

ما معناه تكسر خاطر الجودية

ويبحر بنا الشاعر عبد الله ود إدريس بسفينة جزالة الدوبيت إلى دروب النصح والإرشاد، موجّهًا خطابه للناس، تارة بالزجر والتقويم، وتارة برفع الهمم وشحذ الوعي بالحياة واكتساب الحكم، متناولًا شؤون الرزق وسلوك الإنسان بين الناس، قال:

رزقك إن أكلتو ما تحسب الفى الجيب

الهولك بعرفو العندو علم الغيب

كتير مالا ملكتو وقفي منك قايم

دا ما تعدو رزقك نقدي ولا بهايم

مرات الحلم بخرب مزاج النايم

ومن السنّة الأفضل سحور الصايم

ما تابي المجالس إن بقت محضورة

إلا الفيها ليك لسعة لسان وضرورة

من المصحف إن نمام حفظلك سورة

بتهاب الكبائر وما يدتها المحذورة

الخطأ سيدو ما بشبع قدر ما يعوس

ومع صغر العقول زي بعضو كبر الروس

هذا قليل من كثير من شعر عبد الله ود إدريس الذي يحتوي على كثير من القيم السودانية السمحة ومكارم الأخلاق التي يجب أن تُدرّس في المناهج، لأنها تعكس هوية مجتمع كامل وتُربي أجيالًا على الخير والاحترام.وكما قال الشاعر أحمد شوقي إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.