
انشقاقات كردفان.. عندما تبدأ الميليشيا في فقدان مقاتليها وثقتها في الحرب
عمرو خان
تأتي الانشقاقات التي تشهدها صفوف ميليشيا الدعم السريع في محور كردفان في توقيت بالغ الحساسية من الحرب السودانية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023 على خلفية تمرد الميليشيا على الدولة والقوات المسلحة السودانية.. ولذلك فإن قراءة هذه الانشقاقات باعتبارها مجرد تحولات فردية في صفوف تشكيل مسلح قد تكون قراءة ناقصة؛ لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بمدى تماسك القوة المتمردة، وقدرتها على مواصلة حرب طويلة، في ظل ضغوط عسكرية متزايدة وتراجع قدرتها على تحقيق أهدافها على الأرض.
*فالدعم السريع لا يخوض، من الناحية الدستورية والقانونية، حربًا بين قوتين متكافئتين داخل مؤسسة الدولة، وإنما يتمرد على القوات المسلحة السودانية، وهي المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة.. وهذه النقطة أساسية لفهم طبيعة الصراع ومساراته؛ لأن الهدف الأصلي للتمرد لم يكن مجرد السيطرة على مناطق محدودة، بل فرض واقع عسكري وسياسي جديد على الدولة السودانية.
*ومع مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، بات واضحًا أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية سريعة يمكن حسمها خلال أسابيع أو أشهر.. فقد تحولت إلى حرب واسعة متعددة المحاور، وأصبحت كردفان واحدة من أهم ساحاتها، بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي واتصالها بمناطق غرب السودان ووسطه، فضلًا عن أهميتها بالنسبة إلى طرق الإمداد والحركة.
*في هذا السياق، تصبح الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع ذات دلالة خاصة. فالمقاتل الذي يقرر مغادرة قوة متمردة في ذروة المعركة لا يتخذ قرارًا عابرًا بالضرورة، وإنما يعكس قراره في كثير من الأحيان تغيرًا في حسابات البقاء، أو تراجعًا في القناعة بجدوى الحرب، أو فقدانًا للثقة في قدرة التشكيل الذي ينتمي إليه على تحقيق نتيجة عسكرية وسياسية يمكن البناء عليها.
*والسؤال هنا ليس فقط: كم عدد الذين انشقوا؟ بل ما الذي دفعهم إلى الانشقاق في هذه اللحظة تحديدًا؟ هذه الزاوية أكثر أهمية من الأرقام نفسها؛ لأن الجيوش والتشكيلات المسلحة يمكنها تعويض جزء من خسائرها البشرية عبر التجنيد والحشد، لكنها تواجه مشكلة أكثر تعقيدًا عندما تبدأ القناعة الداخلية في التآكل.. فالمقاتل قد يستمر في القتال تحت ضغط الانضباط أو الخوف، لكن الحفاظ على قوة مسلحة متماسكة لفترة طويلة يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ يحتاج إلى قناعة بجدوى المعركة وإلى تصور واضح لنهايتها.
*وهنا تكمن إحدى المشكلات التي تواجه الدعم السريع.. فكلما طال أمد التمرد دون الوصول إلى الهدف الذي اندلع من أجله، يصبح السؤال عن جدوى الاستمرار أكثر حضورًا داخل صفوفه. وإذا تراكمت الخسائر الميدانية مع غياب أفق واضح للحسم، فإن المصلحة الشخصية للمقاتل قد تبدأ في الانفصال عن استمرار الحرب.
*وفي محور كردفان تحديدًا، لا تبدو أهمية المعركة مرتبطة بالسيطرة على مدينة أو موقع عسكري فحسب، وإنما بالقدرة على الحفاظ على خطوط الحركة والإمداد وربط مناطق النفوذ ببعضها.. ولذلك فإن الضغط العسكري المتواصل على الميليشيا في هذا المحور يضع بنيتها الميدانية أمام اختبار حقيقي.. وتزداد أهمية ذلك عندما نضع الانشقاقات في سياق ما تواجهه الميليشيا من ضغوط على الأرض.. فالتراجع في بعض المعارك أو فقدان مواقع استراتيجية لا يعني بالضرورة نهاية القدرة القتالية، لكنه يرفع تكلفة استمرار الحرب.. ومع ارتفاع التكلفة، تصبح المحافظة على المقاتلين وعلى ولائهم أكثر صعوبة.
*ولعل أبرز ما يكشف طبيعة المرحلة الحالية هو انتقال جزء متزايد من المعركة إلى السماء، من خلال استخدام الطائرات المسيرة في استهداف المدن والمنشآت والأهداف الحيوية، وما قد يترتب على ذلك من أضرار تطال المدنيين والبنية التحتية.. استخدام المسيرات يمكن أن يمنح أي طرف قدرة على إيقاع خسائر بعيدة عن خطوط المواجهة، وقد يمثل وسيلة لتعويض بعض الصعوبات التي تواجهها القوات على الأرض. لكنه لا يحل المشكلة الأساسية لأي قوة تسعى إلى السيطرة على دولة أو فرض مشروع سياسي عليها؛ فالسيطرة تحتاج إلى وجود على الأرض، وإلى قوات قادرة على حماية المواقع وتأمين طرق الإمداد وفرض الاستقرار.
*ومن هنا، فإن نقل جزء من الحرب من الأرض إلى السماء لا ينبغي أن يُفهم تلقائيًا باعتباره تحولًا في ميزان القوة، وإنما يمكن قراءته أيضًا كتكتيك لتعويض بعض الخسائر أو تعطيل قدرة الخصم على الحركة.. لكن المسيرات، مهما بلغت فاعليتها، لا تستطيع وحدها أن تمنح مشروع التمرد شرعية سياسية أو أن تنتج تسوية تفرضها القوة الجوية.
*وهذه هي المفارقة الأساسية في المشهد: تستطيع الميليشيا أن تعوض بعض خسائرها البشرية، وأن تستقدم مقاتلين جددًا، وأن تستخدم أسلحة بعيدة المدى، لكن ذلك كله لا يجيب عن السؤال السياسي والعسكري الأكبر: ما هو الطريق الذي يمكن أن يقود التمرد إلى تحقيق أهدافه؟ كلما غابت الإجابة، أصبح استمرار الحرب أكثر تكلفة، وأصبحت الانشقاقات أكثر أهمية بوصفها مؤشرًا على حالة الصف الداخلي.
*ولا يعني ذلك أن كل انشقاق يمثل بالضرورة تحولًا استراتيجيًا، أو أن الدعم السريع فقد قدرته القتالية.. مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى مؤشرات متراكمة ومعلومات موثوقة.. لكن تكرار الانشقاقات، إذا استمر واتسع، يصبح عاملًا يستحق المتابعة لأنه قد يكشف عن أزمة في التماسك الداخلي للقوة المتمردة.. كما أن ظاهرة الانشقاق تحمل رسالة تتجاوز المنشق نفسه. فحين يرى مقاتلون آخرون أن هناك من اختار الخروج من الحرب، فإن فكرة الانسحاب تصبح قابلة للتصور داخل المجموعة. وهنا يمكن أن تتحول الحالات الفردية إلى تأثير معنوي أوسع، خصوصًا إذا تزامنت مع خسائر ميدانية وتراجع في الإمداد وارتفاع كلفة القتال.
*في المقابل، فإن القوات المسلحة السودانية تخوض هذه الحرب بوصفها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وبالتالي فإن استمرار الضغط على التمرد لا يرتبط فقط بالحسم العسكري، وإنما بالحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها ومنع فرض واقع سياسي بقوة السلاح.. ومن هذه الزاوية، فإن معركة كردفان تحمل بعدًا أكبر من حدودها الجغرافية. فهي اختبار لقدرة الدولة على استعادة الاستقرار في محور استراتيجي، وفي الوقت نفسه اختبار لقدرة الميليشيا المتمردة على الحفاظ على بنيتها الداخلية والاستمرار في حرب طويلة لم تحقق حتى الآن الهدف الذي اندلعت من أجله.
*الحروب لا تُحسم فقط بعدد السلاح والمقاتلين، وإنما أيضًا بقدرة كل طرف على الحفاظ على الإرادة والتماسك والقدرة على رؤية نهاية ممكنة للصراع.. ولهذا فإن السؤال الأهم في كردفان ليس فقط من يسيطر على موقع اليوم، وإنما ماذا يحدث داخل صفوف الطرف الذي يخوض تمردًا على الدولة عندما يبدأ بعض مقاتليه في البحث عن طريق للخروج؟
إذا تحولت الانشقاقات من حالات متفرقة إلى اتجاه مستمر، فقد تكون هذه واحدة من العلامات الأكثر دلالة على أن الأزمة داخل الدعم السريع لم تعد ميدانية فقط، وإنما بدأت تمس بنيته الداخلية وقناعته بإمكانية تحقيق أهداف التمرد.. فالمعركة قد تُكسب بالسلاح، لكن التمرد لا يستطيع الاستمرار طويلًا إذا بدأ مقاتلوه أنفسهم يفقدون الإيمان بجدوى الحرب.
كاتب صحفي مصري