مات قرشي لكنه لم يمت
علي قرشي حمد .. فريد زمانه الرجل الذي لا يشبهنا
حسن علي العجركي – السودان:
في قريتنا(القليعة الجامع) جنوب شندي شمال السودان حيث النيل والنخيل وحيث التعايش السلمي والتسامح الأصيل
كان هناك رجل لا يشبهنا
إذا ماتت الهمم أحياها وإذا تعثرت الخطى سار وحده وإذا اختلف الناس دخل بينهم فأصلح تصمتت الأصوات وتحترم كلمته
علي قرشي حمد
لم يدخل جامعة ولم يحمل شهادة ولم يجلس على مقاعد الدراسة لكنه حمل ما لا تحمله الشهادات
يتمتع ببديهة حاضرة وذكاءا متقدا وحنكة في الكلام ودبلوماسية يعجز عنها المتعلمون وحضورا طاغيا وكاريزما في حل الخلافات بالجودية بعيدا عن أضابير المحاكم
كلمة منه تنهي خصومة دامت سنين بين الناس في مجتمع متسامح ورأي منه يجمع قرى تفرقت بسبب أشياء دنيوية
وكما كان يقول أهلنا وجدودنا السودانين زمان الحكمة(ما كل القاري متعلم)..علي قرشي كان الدليل الحي على هذه الحكمة
لم يكن متعلما بالورق والقلم لكنه كان معلما بالفعل ومتعلما في سلوكه..حتي الخطابات الرسمية يكتبها له المظلوم الشاكي له مظلمته هو يكتب وعلى قرشي يقول له اكتب كذا وكذا ينتهي من فحوي الخطاب والمشكلة (في جلسة شاي مساء بي لبن سوداني بالجنزبيل الذي نسميه نحن السودانين شاي المغرب).
خمسون عاما وأكثر خدم قرى القليعات كلها من جيبه الخاص ومن أرباح بساتين مزارع الموز التي تقع في ضفة نهر النيل العظيم.
ومن عرق جبينه ومن جهده الشخصي ووقفة أهله الكرام من حوله ومن وقفة الأهالي.
بنى المدارس فتعلم منها الطلاب
وعالج المرضى
وحفر الآبار فإرتوي المواطنين
وكان في كل خلاف هو القاضي والحكم والمرجع
وها هو اليوم في يوم الجمعة المبارك ٩ اكتوبر ٢٠٢٦يترجل الفارس على قرشي عن عمر ناهز ال١١٥ سنه ويمضي إلى ربه تاركا خلفه سيرة لا تموت
مات جسدا لكن بقي حي في المواطنين
سيرته في كل فصل دراسي
في كل مسجد
في كل قطرة ماء
في كل صلح بالجودية
في كل كلمة طيبة قالها
رحل علي قرشي وبقيت عزائمه
وقد قيل مات قوم وهم بين الناس أحياء وعاش قوم وهم بين الناس أموات.