الشمالية … الإيجارات تثقل كاهل النازحين والوافدين
سببها الجشع وسماسرة الأزمات
دنقلا – وليد كمال الدين
تسببت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع وفق تقارير أممية في نزوح وهجرة أكثر من عشرة مليون مواطن سوداني للولايات الآمنة ودول الجوار,مصر واثيوبيا ويوغندا وتشاد وليبيا وجنوب السودان , إضافة للمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج,وكان نصيب الولاية الشمالية ما يقارب مليوني شخص مابين وافد من ابنائها ونازح من ولايات أخرى, وبالطبع القي هذا الكم من البشر الباحثين عن مأوي بظلاله على سوق العقارات وإيجار المنازل المحدود أصلا وأغرى أصحاب النفوس الضعيفة من سماسرة الأزمات وملاك العقارات برفع سقف الايجارات عاليا, وما بين عشية وضحاها تضاعفت الإيجارات بصورة خرافية في ظل تنامي الطلب,واثقل ذلك كاهل معظم النازحين الفارين للولاية من إتون الحرب بتبعات مالية فوق طاقتهم وأفرز أوضاعا مأسوية ومعاناة فوق الوصف.
حلم العودة للديار:
تحت سقف غرفة يتيمة داخل حوش لم يكتمل بنائه تعيش عائشة التي نزحت إلى دنقلا هربا من الموت في ولاية الجزيرة رفقة ثلاثة أبناء صغار تتراوح أعمارهم ما بين سنتين وسبع سنوات أوضاعا معيشة مزرية, وتقول إنها لم تجد مكان مناسب وزهيد غير الغرفة التي تستأجرها مقابل 150 ألف ج يعينها على سدادها بعض الخيرين من أبناء المنطقة, وتشتكي عائشة من برودة الغرفة التي تأوي إليها مع صغارهاخاصة في ليالي الشتاء الباردة حيث تنخفض درجة الحرارة إلى 8 درجات مئوية فتعمد لتوفير بعض الدفئ لأطفالها بأشعال الحطب, وتحلم عائشة بلحظة العودة لمسقط رأسها وبيتها في ولاية الجزيرة بعد عودة الاستقرار لكن تحقيق تلك الأمنية قد يتطلب توفير قيمة تذاكر العودة التي تقارب 500 ألف جنيه.
زيادة الطلب وإرتفاع الإيجارات:
من مكتب صغير في قلب مدينة (دنقلا) يدير صلاح عبدالله عمله في مجال العقارات عبر هاتفه والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي في التواصل مع الزبائن وطرح العروض, ويقول صلاح الذي يعمل بهذا المجال منذ عشرة سنوات إن حركة النزوح المتواصلة على الولاية بفعل الحرب أحدث انقلابا في سوق العقارات الذي كان يشهد ركودا شبه تام فيما يتعلق بالإيجارات خاصة في المناطق والقرى الطرفية البعيدة, حيث تسود المفاهيم الاجتماعية, وحتى وقت غريب كان من العيب أن يقدم شخص على ايجار عقار يمتلكه ولم يكن إيجار بيت كامل في المناطق القريبة من مدينة دنقلا يتجاوز مبلغ 10- 20 ألف جنيه في أحسن الأحوال.
تباين في الأسعار :
يقول الشاب ود إبراهيم الذي بدأ التكسب من مهنة بيع العقارات بعد اندلاع الحرب وتدفق موجات النازحين على الولاية الشمالية إن امتهانه السمسرة كان لعدم توفر عمل يناسبه, وللحصول على عائد مادي سريع من العمولات التي يحصل عليها من الطرفين المالك والزبون, ويتهرب ود إبراهيم – اسمه الحركي في السوق – عن الإفصاح عن حجم المال الذي يجنيه من السمسرة, ويضيف بعد قرابة عامين من اندلاع الحرب تراجعت أعداد الراغبين في ايجار المساكن والشقق بمحليات الولاية الشمالية السبع عما كانت عليه الحال في بداية النزوح, ويشير إلى أن معظم النازحين يفضلون الايجار في المناطق الطرفية مثل السليم وجرادة- ومراغة- والزورات- والديم- وكابتود- حيث تنخفض الإيجارات نوعا ما وتترواح مابين 500 ألف و250 ألف و150 ألف حسب الموقع الجغرافي والقرب من مركز الولاية (دنقلا) حيث يوجد السوق الكبير والمستشفيات بجانب مراكز الخدمات المختلفة والبنوك.
ويقول ود إبراهيم يفضل القادرين من النازحين الايجار في أحياء داخل (دنقلا) الدرجة الأولى والثالثة والجبل ومناطق أخرى يرتفع فيها الايجار لما يقارب (2) مليون جنيه للشقق في المباني متعددة الطوابق.
الوافد أفضل حالا من النازح:
تختلف تفاصيل معاناة الحصول على سكن وتحمل أعبائه المادية بين شخص واخر, ويعتبر الوافدين من أهل الولاية أفضل حالا من النازحين, فالكثير منهم وجد مأوئ له مع أهله يتقاسم معهم ما يتوفر من أسباب حياة بسيطة في القرى القصية حيث العيش سهل نوعا ما.
إيجار المحال التجارية :
ويرى خبراء في مجال التجارة أن تدفق النازحين والوافدين إلى الولاية الشمالية ساهم في إنتعاش الأسواق وحركة البيع والشراء والتجارة باشكالها المختلفة ومع توافد أعداد كبيرة من التجار الراغبين في الاستثمار والباحثين عن محلات تجارية إرتفاع إيجار المحال التجارية في السوق والمناطق المحيطة به حيث تنتشر المطاعم والكافتريات ويبلغ إيجار محل صغير داخل سوق (دنقلا) حوالي (2-3) مليون جنيه حسب ميزة الموقع بينما إرتفع ايجار دكان في الأحياء الطرفية للمدينة من 10و20 ألف ج قبل وصول النازحين لنحو 150 ألف جنيه.
إرتفاع غير مبرر:
يتفق كثير من النازحين والوافدين وأبناء الولاية الذين تحدثت معهم ( أصداء سودانية ) بان إرتفاع الإيجارات الباهظ ناجم عن استشراء ظاهرة الطمع والجشع في نفوس البعض وهو استغلال غير مبرر لحالة النزوح التي فرضتها ظروف قاهرة ولا يشبه باي حال أهل الولاية الذين عرف أسلافهم بالشهامة والكرم والورع ويرى كثيرين بإن بعض المنازل المتهالكة والمتواضعة لا تستحق ما يدفع مقابلها من مال.
مواقف مشرقة :
في مقابل الصورة القاتمة التي رسمها السماسرة وبعض أصحاب البيوت تبرز صور ومواقف مشرقة لرجال وأسر فتحوا بيوتهم دون قيد أو مقابل لإيواء النازحين وتقاسموا معهم المتاع والطعام والهموم وبناء علاقات إنسانية وإجتماعية جديدة.
ويقول العم (عبد الرحيم) الذي يستضيف لوحده أكثر من خمس أسر نازحة من ولايات السودان المختلفة في بيوت أبنائه المغتربين إن ما قام به هو واجب ديني وأخلاقي تقتضيه الظروف التي ألمت بالبلاد والعباد.
قفزة كبيرة في الأراضي:
اتجاه أبناء الولاية الوافدين وأغلبهم من ولاية الخرطوم لتوفيق أوضاعهم والشروع في تشيد قطع الأراضي السكنية التي يمتلكونها أحدث حراكا في مجال المقاولات والبناء وتزامن مع ذلك اتجاه بعض الوافدين لبيع الأراضي السكنية والزراعية التي يمتلكونها لمواجهة متطلبات الحياة اليومية, وبحسب رواية أصحاب المكاتب العقارية فإن ذلك تسبب في زيادة أسعار القطع السكنية في الأحياء المعروفة بدنقلا لتجاوز بعضها 50 مليون جنيه, وتأثرت الأسعار حتى في القرى حيث إرتفعت القطعة التى لم يكن سعرها يتجاوز مليوني جنيه إلى مابين 5 – 7 مليون بنهاية عام 2024م
ظاهرة لن تدوم:
ويصف الخبير العقاري د. الطيب إدريس مؤشرات ظاهرة إرتفاع الإيجارات وأسعار الأراضي بأنها غير حقيقية ساهمت فيها أطراف متعددة وهي نتاج طبيعي لأسباب متنوعة تتعلق بحركة النزوح التي أفرزتها الحرب اضافة
لعوامل اقتصادية أجبرت البعض لبيع الأراضي السكنية لتوفير الاحتياجات الاساسية مع انعدام فرض العمل وتوقف مرتبات الكثير من أبناء الولاية الوافدين عليها من الخرطوم وولايات اخرى وهي ظاهرة قابلة للزوال بانتفاء الأسباب.
قضايا الإيجارات بالمحاكم:
ويقول القانوني عبد الجليل عبيد إن الإيجارات تتم عادة بالتراضي بين الطرفين المؤجر والمستاجر وليس وفق قانون الإيجارات وعادة لا يلجاء الطرفين للقضاء عند حدوث خلاف ويتم الحل بالجودية, ورغم تعثر الكثير من النازحين في الايفاء بسداد الإيجارات للظروف القاهرة والمعلومة التي تعيشها البلاد إلا أن قاعات المحاكم لم تشهد إلا نذر يسير من قضايا الإيجارات.