آخر الأخبار

الفريق نصرالدين عبد الفتاح… عندما يصبح الإصلاح موقفًا لا شعارًا

 دكتور البشير الحسن أبونخل 

 

 

 

 

هناك رجالٌ إذا تولَّوا المسؤولية حملوها أمانةً، وآخرون يحملونها غنيمة. وبين الأمانة والغنيمة تضيع الأوطان أو تنهض. وما أحوج السودان اليوم إلى رجالٍ يؤمنون بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المال العام حقٌ للشعب لا غنيمةٌ للمنتفعين.

 

 

 

 

 

وقبل الخوض في هذا الحديث، فإن كلمة حق لا بد أن تُقال في حق الأستاذ الصحفي صبري محمد علي (العيكورة)، الذي أثار قضية تتعلق بإحدى أهم الشركات الحكومية في السودان. فالصحافة الوطنية الحقيقية ليست تلك التي تُجيد التصفيق للمسؤولين، وإنما التي تضع يدها على الجرح، وتُسهم في كشف مواطن الخلل، وتدفع مؤسسات الدولة إلى تصحيح مسارها. وما قام به الأستاذ صبري يُحسب له، لأنه تناول ملفًا يمس الاقتصاد الوطني، ومستقبل آلاف المزارعين، ومقدرات شعب بأكمله.

 

 

 

 

 

لقد أعاد مقاله تسليط الضوء على شركة السودان للأقطان، تلك المؤسسة التي كانت يومًا من أعمدة الاقتصاد السوداني، ورمزًا لعطاء المزارع السوداني، قبل أن تتعثر بفعل سنوات طويلة من سوء الإدارة، وغياب الرقابة، وتراكم التجاوزات التي أنهكتها وأفقدتها كثيرًا من دورها التاريخي.

 

 

 

 

 

وفي المقابل، برز اسم سعادة الفريق نصرالدين عبد الفتاح، المدير العام للشركة، بوصفه قائدًا اختار أن يبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل إصلاح حقيقي؛ وهو فتح الملفات المغلقة، وعدم التستر على مواطن الخلل، والتعاون مع أجهزة الرقابة والمراجعة، وعدم السماح باستمرار ما أفسد المؤسسات وأرهق الدولة.

 

 

 

 

 

إن ما أورده الأستاذ صبري، نقلًا عما جاء في التسجيلات المنسوبة إلى الفريق نصرالدين، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مادة صحفية عابرة، بل باعتباره مؤشرات تستوجب الوقوف عندها بجدية، والتحقيق فيها عبر الجهات المختصة، لأن الأمر يتعلق بالمال العام، وهو حق لكل سوداني.

 

 

 

 

 

فحين يُقال إن الشركة لم تُعد ميزانياتها منذ عام 2021، فإننا لا نتحدث عن إجراء إداري بسيط، وإنما عن غياب واحد من أهم أدوات الحوكمة والرقابة المالية. فالميزانية ليست مجرد أرقام، بل هي الوثيقة التي تكشف الإيرادات والمصروفات، وتوضح مسار الأموال، وتحمي المؤسسة من الانزلاق إلى الفوضى. وغيابها كل هذه السنوات يفرض سؤالًا كبيرًا: كيف كانت تُدار هذه المؤسسة؟

 

 

 

 

 

وحين يُشار إلى أن أعضاء بمجلس الإدارة كانوا يتمتعون بصلاحيات مالية واسعة، تشمل التوقيع على الحسابات البنكية، والتصديق على الصرف، والسلفيات والعطايا، مع الحديث عن سلفيات لم تُسترد، فإن ذلك يستوجب مراجعة دقيقة لكل المعاملات المالية، حتى تُعرف الحقيقة كاملة، ويُحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.

 

 

 

 

 

كما أن الحديث عن استخدام أصول الشركة، من سيارات وأموال بالعملتين المحلية والأجنبية، خارج الأطر القانونية، يثير قلقًا مشروعًا حول كيفية إدارة المال العام، ويؤكد أن الرقابة الفاعلة ليست رفاهية، وإنما ضرورة لحماية مؤسسات الدولة.

 

 

 

 

 

ومن النقاط التي تستحق التوقف أيضًا ما أُشير إليه بشأن المشروعات الهندسية التابعة للشركة في الجزيرة والرهد، والتي تمتلك إمكانات إنتاجية ومداخيل معتبرة، لكنها ـ بحسب ما ورد ـ لم تكن تحقق العائد الذي ينعكس على الشركة نفسها. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول إدارة تلك المشروعات، وكيفية التصرف في عائداتها خلال السنوات الماضية.

 

 

 

 

كما أن قرار وقف بيع مواقع الشركة في بورتسودان، وإيقاف بيع بعض الآليات التي كانت معروضة باعتبارها خردة، يعكس توجهًا للحفاظ على أصول الدولة ومنع التفريط فيها. وهي خطوة تستحق الإشادة إذا كانت قد أسهمت في حماية ممتلكات الشعب السوداني من الضياع.

 

 

 

 

ولا يقل أهمية عن ذلك الاتجاه نحو التصنيع المحلي للقطن وتحويله إلى خيوط ومنتجات طبية ونسيجية، بدلًا من تصديره خامًا، لأن القيمة المضافة هي الطريق الصحيح لتعظيم العائد الاقتصادي، وخلق فرص عمل، ودعم الصناعة الوطنية.

 

 

 

 

ومن الجوانب الإنسانية التي تستحق الثناء، ما ورد عن انتظام صرف المرتبات، والبدء في حصر حقوق المعاشيين والعاملين الذين انتهت خدمتهم، تمهيدًا لإيفائهم مستحقاتهم. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بالأرقام، وإنما بمدى احترام حقوق العاملين وصون كرامتهم.

 

 

 

 

إن ما يحدث اليوم في شركة السودان للأقطان ينبغي أن يكون بداية لا نهاية. فهذه الشركة ليست استثناءً، وإنما نموذج لما يمكن أن تكون عليه بقية المؤسسات إذا توفرت الإرادة، وسادت الشفافية، وغابت المجاملة على حساب المصلحة العامة.

 

 

 

إن بلادنا لا تعاني من نقص في الكفاءات، وإنما عانت طويلًا من إقصاء الأكفاء، وتقديم أهل الولاء على أهل الكفاءة، حتى أصبحت بعض المؤسسات رهينة للمصالح الشخصية والشبكات التي لا ترى في المال العام إلا موردًا لتحقيق المكاسب الخاصة.

 

 

 

 

ولهذا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الدولة، بمؤسساتها العدلية والرقابية والتنفيذية، لمواصلة هذا النهج، وعدم التراجع عنه، وفتح كل ملفات الفساد بلا استثناء، وإخضاع الجميع للمساءلة، فلا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، ولا أحد يجب أن يُحصَّن من المحاسبة إذا ثبت تجاوزه.

 

 

 

 

كما أن المرحلة تفرض إعادة النظر في معايير اختيار القيادات بالمؤسسات والشركات الحكومية، بحيث يكون معيار الكفاءة، والأمانة، والنزاهة، والخبرة، هو الفيصل الوحيد، لا الولاءات، ولا المحاصصات، ولا العلاقات الشخصية. فالسودان يزخر برجال ونساء قادرين على قيادة مؤسساته بإخلاص واقتدار، متى ما أُتيحت لهم الفرصة.

 

 

 

إن الإشادة بالفريق نصرالدين عبد الفتاح ليست احتفاءً بشخص، وإنما احتفاءٌ بمنهجٍ يقوم على الشفافية والمصارحة، وعلى حماية المال العام، وعلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية. كما أن الإشادة بالأستاذ صبري العيكورة هي إشادة بدور الكلمة الحرة التي تساند الإصلاح وتنتصر للمصلحة العامة.

 

 

 

 

ويبقى الأمل أن تتحول هذه الخطوات إلى مشروع وطني شامل لاجتثاث الفساد من جذوره، وأن تستعيد مؤسسات الدولة هيبتها، وأن يشعر المواطن السوداني بأن أموال بلاده تُدار بأيدٍ أمينة، وأن عهد الإفلات من المساءلة قد ولى إلى غير رجعة.

 

 

 

فالأوطان لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالرجال الصادقين، وبالمؤسسات النظيفة، وبالعدالة التي لا تفرق بين قوي وضعيف، وبإرادة سياسية تجعل محاربة الفساد التزامًا لا يُساوم عليه، لأن مستقبل السودان يستحق ذلك، وشعبه يستحق أكثر.