
القصر الجمهوري يعود من بين الركام.. حين تستعيد الدولة رمزها وهيبتها
بقلم: د. البشير الحسن أبونخل
ليس كل مبنى يُعاد افتتاحه يعني أن حجارةً قد رُصّت فوق بعضها من جديد، ولا أن أبواباً ونوافذ أُعيد تركيبها بعد أن عبثت بها الحرب. بعض المباني تحمل في جدرانها ذاكرة أمة، وفي ساحاتها تختزل سيرة دولة، وفي مراسمها تتجسد هيبة النظام العام ورمزية السيادة الوطنية. ومن هنا فإن عودة القصر الجمهوري في الخرطوم إلى أداء وظائفه الرسمية، واحتضان باحته مراسم اعتماد عدد من السفراء الجدد، تتجاوز بكثير معنى إعادة تأهيل مبنى تضرر بالحرب؛ إنها صورة بليغة لعودة الدولة السودانية إلى عاصمتها.
القصر الجمهوري ليس عقاراً عادياً في قلب الخرطوم. إنه واحد من أكثر المواقع ارتباطاً بتاريخ الدولة السودانية الحديثة. وقد ظل موقع القصر، منذ العهد التركي المصري وما تلاه، مرتبطاً بممارسة الحكم وإدارة شؤون البلاد. أما القصر القديم فقد أصبح بعد استقلال السودان في الأول من يناير 1956 رمزاً سيادياً للجمهورية، قبل أن تنتقل الرئاسة لاحقاً إلى القصر الجمهوري الجديد الذي افتُتح رسمياً في عام 2015.
وللقصر في الذاكرة السودانية حضور يتجاوز السياسة بمعناها الضيق. ففيه شهد السودان لحظات مفصلية من تاريخه، ومن ساحاته وممراته مرت قيادات وطنية ورؤساء دول وضيوف كبار، وفيه ارتبطت مراسم الدولة بأعلى درجات البروتوكول والسيادة. ولذلك ظل القصر، في الوعي العام، عنواناً للدولة ومركزاً من مراكز رمزية السلطة الوطنية.
ثم جاءت الحرب.
وفي أبريل 2023 تحوّل قلب الخرطوم إلى مسرح للمعارك، وسيطرت مليشيا الدعم السريع المتمردة على القصر في بدايات الحرب، قبل أن تستعيده القوات المسلحة السودانية في مارس 2025 بعد معارك عنيفة خلّفت أضراراً جسيمة في المبنى ومحيطه.
وليس من المبالغة القول إن القصر دفع ثمناً باهظاً للحرب. فالمكان الذي كان يستقبل رؤساء الدول والسفراء والوفود الرسمية أصبح هدفاً للقتال، وامتدت إليه يد التخريب والدمار، حتى بدا في بعض مشاهده كأنه شاهد صامت على حجم الكارثة التي أصابت العاصمة ومؤسساتها ومقدراتها.
لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بمنطق الخراب.
فكما استطاعت الدولة السودانية أن تستعيد القصر من قبضة المتمردين، استطاعت أن تعيد إليه الحياة. وهذه هي الدلالة الأهم في مشهد إعادة التأهيل وعودة المراسم الرسمية إليه: أن الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الانتصار في المعركة، وإنما بقدرتها على تحويل الانتصار إلى مؤسسات تعمل، ورموز تستعيد مكانتها، وعاصمة تسترد عافيتها.
ومن أكثر المشاهد دلالة أن تستقبل باحة القصر الجمهوري سفراء جدد لتقديم أوراق اعتمادهم.
فالترحيب بالسفراء في القصر ليس مجرد إجراء بروتوكولي. إنه إعلان عملي بأن السودان ما زال دولة ذات سيادة، وأن مؤسساتها الرسمية قادرة على ممارسة وظائفها، وأن الخرطوم التي أرادتها مليشيا آل دقلو الإرهابية مدينةً للخراب تستطيع أن تستعيد دورها عاصمةً للدولة ومركزاً للقرار.
إن صورة السفير وهو يدخل القصر حاملاً أوراق اعتماده، ثم يقف في حضرة رئيس الدولة، تحمل في ظاهرها مشهداً دبلوماسياً مألوفاً، لكنها في الحالة السودانية الراهنة تحمل معاني أعمق بكثير.
إنها تقول للعالم: هنا دولة عادت إلى مؤسساتها.
وتقول للسودانيين: إن الخرطوم تعود إلى الحياة.
وتقول لكل من راهن على سقوط مؤسسات الدولة: إن الدولة يمكن أن تتعثر، لكنها لا تموت ما دام شعبها متمسكاً بها.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن المكان الذي أرادته المليشيا المتمردة رمزاً للغلبة العسكرية أصبح، بعد استعادته وإعادة تأهيله، رمزاً لاستمرارية الدولة. فالسيادة ليست في احتلال مبنى، وإنما في قدرة الدولة على أن تستعيد مؤسساتها وتعيد تشغيلها وتفرض النظام وتحمي رموزها وتعيد الحياة إلى عاصمتها.
وهنا ينبغي ألا نتعامل مع إعادة القصر وكأنها نهاية المطاف.
فالقصر الذي عاد ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع أكبر لإعادة بناء الخرطوم. فلا معنى لقصر مضاء في مدينة غارقة في الظلام، ولا لمؤسسات تعمل داخل العاصمة بينما لا تزال الخدمات الأساسية تعاني، ولا لعودة المراسم الرسمية إذا لم تتزامن مع عودة المدارس والمستشفيات والأسواق والجامعات والطرق والمياه والكهرباء، وعودة المواطن إلى منزله وحياته الطبيعية.
إن إعادة إعمار الخرطوم يجب أن تكون مشروعاً وطنياً متكاملاً، يبدأ من استعادة البنية المؤسسية والخدمات، ويمتد إلى ترميم الذاكرة العمرانية والثقافية للعاصمة. والقصر الجمهوري، باعتباره أحد أهم رموز الدولة، يمكن أن يكون نقطة انطلاق رمزية لهذا المشروع.
والقصر الجمهوري يحمل أيضاً رسالة إلى المجتمع الدولي.
فعندما يعود السفراء إلى الخرطوم، وتعود مراسم اعتمادهم إلى القصر، فإن ذلك يعكس تحولاً مهماً في علاقة العاصمة بالعالم الخارجي. فالدبلوماسية تحتاج إلى دولة مستقرة وعاصمة آمنة ومؤسسات قادرة على استقبال ممثلي الدول. وقد ارتبطت عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، بالفعل، بجهود إعادة تأهيل العاصمة وتأمين المؤسسات والمقار الدبلوماسية.
ومن هنا فإن مشهد اعتماد السفراء الجدد ينبغي أن يُقرأ باعتباره أكثر من صورة بروتوكولية؛ فهو مشهد من مشاهد استعادة السودان لعافيته الدبلوماسية والسياسية.
لقد كان القصر شاهداً على استقلال السودان، وشاهداً على التحولات الكبرى التي مرت بها الدولة، وشاهداً على الحروب والانقلابات والأزمات، ثم أصبح شاهداً على حرب 2023 وما خلفته من خراب. واليوم يعود شاهداً على مرحلة جديدة عنوانها: إعادة البناء واسترداد مؤسسات الدولة.
وقد يكون أجمل ما في عودة القصر أن الخرطوم لم تعد إليه وحدها؛ بل عاد القصر إليها.
عاد إلى مدينة كانت الحرب قد أرادت تحويلها إلى ذاكرة.
عاد إلى شارع النيل الذي ظل شاهداً على تاريخ السودان الحديث.
عاد إلى العاصمة التي دفعت ثمناً باهظاً، لكنها لم تفقد حقها في أن تنهض.
وعاد ليقول إن الخراب، مهما كان واسعاً، ليس قدراً أبدياً.
إن القصور تُبنى بالحجارة، لكن هيبة الدولة تُبنى بالإرادة والمؤسسات والقانون.
ولهذا فإن الاحتفاء بعودة القصر الجمهوري يجب ألا يكون احتفاءً بمبنى تم ترميمه فحسب، وإنما احتفاءً بمعنى أعمق: عودة مؤسسات الدولة إلى مواضعها، وعودة العاصمة إلى دورها، وعودة السودان إلى مساره الطبيعي.
ومن باحة القصر، حيث ترفرف راية السودان، وحيث يقف السفراء لتقديم أوراق اعتمادهم، يمكن للسودانيين أن يستحضروا حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد:
قد تهدم الحرب الجدران، لكنها لا تستطيع هدم وطن يؤمن أبناؤه بأنه يستحق أن ينهض.
وها هو القصر الجمهوري يعود.
لا ليكون شاهداً على الحرب فحسب، وإنما ليكون شاهداً على أن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على أن يخرج من بين الركام واقفاً على قدميه.