آخر الأخبار

برنامج يلا نسافر.. خطوة في الاتجاه الصحيح

تلاوين 
عبد اللطيف مجتبى 

 

من نافلة القول الحديث عن أثر الإعلام و دوره في الحياة و لكن من الضرورة بمكان الحديث عن الأعمال المؤثرة و النوعية و التي تصنع فارقا و أثرا له مردود على الواقع ، ذلك لندرتها بين المطروح من الأعمال الإعلامية التي باتت تشبه تلك الوجبات السريعة المعدة على عجل و التي يضر تناولها أكثر مما تفيد، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، و ما أكثرها للأسف في هذه الأيام ..
يلا نسافر اسم لبرنامج متميز يبث عبر شاشة تلفزيون السودان، عادة أجدني كلما صادفته لم استطع المغادرة حتى نهاية الحلقة. لأنه يأخذك في رحلة غير متوقعة إلى أماكن تتآنس فيها مع مجتمعها و تتعرف على طباعهم و تغني معهم و تتذوق طعامهم وبنهاية الحلقة تكون قد زرت بالفعل مع فريق البرنامج المنطقة وكونت فكرة كاملة عنها، الشيئ الذي كان سيكلفك مالاً ووقتا إذا فكرت ان تفعله بنفسك. فهو إذن برنامج ثقافي اجتماعي ويخدم بامتياز في مجال السياحة و يعكس الصورة الكاملة عن الأماكن موضوع الحلقات في قالب فني جاذب و جميل.
فكرة البرنامج تقوم على التجوال في مدن وقرى السودان لعكس جوانب التنوع الحيوي و البيئي و الثقافى في السودان من خلال قالب برامجي شائق وخفيف الظل يتنقل بالمشاهد بين بقاع وربوع بلادنا الجميلة و تفاصيلها الآسرة من خلال استعراض المكان و إنسانه و طبيعة الحياة التي يتسم بها؛ من طرق عيش المجموعات السكانية لإنسان السودان المتنوع إثنياً و ثقافياً و يعكس خصائص و فنون وجمال و أدبيات لا تتوفر إلا من خلال هذا التجوال الرائع بطريقة غير معقدة و جميلة.
اعتمد سيناريو البرنامج على اسلوب السرد الذي يحكي عن الرحلة و المكان والإنسان والطبيعة و المناخ و ما إلى ذلك، بلغة بسيطة دقيقة واضحة جميلة، تتخلله لقاءات و حوارات و أنشطة حياتية متنوعة كانواع الغذاء و طرق الطهي وأوجه الشبه و الاختلاف بينها وبين المناطق الأخرى. ويستعرض كذلك الفنون الأدائية السائدة من رقص وموسيقى و ما إلى ذلك. مما ينم على براعة فريق الإعداد في البحث وجمع المعلومات حول موضوع الحلقة.
كما تتميز مقدمة البرنامج بحضور رائع وثقافة عالية و روح لطيفة قادرة على قيادة الحوار مع الأفراد و المجموعات، غمارهم و قادتهم، بتمكن و بساطة دون تكلف. و تشارك في الأنشطة المطروحة في الحلقة بذات الروح دون أي أخلاإ بدورها مقدمة للبرنامج مما يمثل حافزا للمشاركين في الحلقة، من ضيوف و فرق و غيرهم، على تقديم المعلومات بسخاء و روح طيبة بعيدا عن التحفظ و التخوف من الكاميرات و أدوات الأعلام التي تعتبر مصدرا للقلق والتوتر بالنسبة إليهم .
كما يساهم محتوى البرنامج في بث روح التعايش السلمي بين القبائل والمناطق و المجموعات السكانية، و ما أحوجنا تحت وطأة هذه الحرب اللعينة إلى المزيد من التعريف و التعارف ومد جسور التواصل الذي انقطع بانقطاع الوسائل التي كانت تسهم مساهمة كبيرة في هذا الاتجاه فالمشاريع القومية كالتعليم و البريد والسكة الخديد كلها كانت أدوات تعارف و تواصل اجتماعي مؤثرة افتقدتها البلاد في ظل التدهور المريع الذي أصاب هيكل الدولة السودانية تدريجيا بفعل سوء التخطيط و الإدارة منذ فجر الاستقلال.
فنيا يعتمد البرنامج على التصوير الخارجي ويستخدم تقنيات تصوير و أدوات ليست بذات تكلفة باهظة كتلك البرامج الميدانية و الحقلية و برامج تصوير الطبيعة ذات الكلفة الباهظة لما تحتاجه من كاميرات ذات مواصفات خاصة. وعلى الرغم من ذلك تلحظ ان فريق العمل الفني يقدم نتائج غاية في الدقة، الفن،الروعة و الجمال.
يلا نسافر خط برامجي في الاتجاه الصحيح وفكرة تستحق الاهتمام من قبل واضعي السياسات و المخططين لتضمينها إلى مستهدفات خططهم وتوفير مساحات و ميزانيات لمثل هذه الأفكار البرامجية و القوالب الصحفية الأخرى التي تصب في اتجاه بناء السلام الاجتماعي و التعايش السلمي خاصة في هذا الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام كلياً بقضايا الحرب التي تستهدف أمن السودان و استقراره و لكن، وعلى الرغم من أهمية الأمر، إلا أن قضايا السلام الاجتماعي وقضايا التعايش السلمي في البلاد لا تقل أهمية .فلابد إذن من الدعم من قبل تلفزيون السودان و القيادة السياسية ووزارة الثقافة و الإعلام لمثل هذا البرنامج و تبنيه بوصفه مبادرة إعلامية، فهو، على ما يبدو، تم إنتاجه بتمويل خاص باعتباره مبادرة إعلامية تنم عن بعد نظر إذ كانت قبل هذه الحرب بسنوات. و كذلك يستحق أن يكون من برامج التبادل الثقافى مع الدول الشقيقة و الصديقة بعد إجراء الإضافات اللازمة من ترجمة وغير ذلك.
كما يجب اسداء الشكر و التقدير لفريق العمل الصامد خاصة المقدمة و المعدة و صاحبة الفكرة الإعلامية المميزة ملاذ مدثر أبو ضراع و المخرج الفنان دودي كجام فرغم ظروف الإنتاج القاسية و ارتفاع التكاليف ظل البرامج يتجول بنا في أقاليم بلادنا الحبيبة و يوثق لها للأجيال القادمة و يعرف و يسهم في ترسيخ روح التعايش السلمي التي تعتبر ترياقا من أمراض اجتماعية خطيرة تحاول التغلغل في جسد الأمة السودانية كالكراهية و العنصرية و التعصب الحزبي والجهوي الأعمى.