
إقتربت الذكرى العزيزة
بُعْدٌ .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*سبق أن أشرت قبل اليوم إلى أن أحد أبنائنا الشباب سألني عن إستقلال بلادنا، والذي تم الإعلان عنه من داخل البرلمان في التاسع عشر من ديسمبر عام 1955م، والذي تحل ذكراه بعد أيام ، وذلك بعد أن قال لي ذلك الإبن إن الكثيرين يُحمِّلون السّاسةَ مسؤولية الأزمات التي تعاني منها بلادنا ، بل إنّ البعضَ ذهب إلى القول بأنّ أكثرُ السّاسةِ أقل قامة من هذا الوطن ، وتساءل الإبن الشّاب بحسرةٍ وأسىً بالغين : متى يكون السّياسي كبيراً ؟.
*حقيقةً فوجئت بالسّؤال، بل وأُعْجبتُ به في ذات الوقت، لأن السؤال دائماً هو بداية المعرفة، وهذا يدلُّ على أن بعض شبابنا في حيرة من أمرهم ، لا يجدون من ينير لهم ظلمات الواقع، ولا يزيل من أمامهم العثرات والعوائق التي تعترض مسيرتهم نحو المستقبل.
*أقول لنفسي دائماً، إنَّ بعض السّاسةِ يحاولون إستغلال الطهر السّياسي، لدى هؤلاء الشّباب، ونقائهم الثوري، فيحاولون توظيفه لصالح أجندتهم ، وأجندة أحزابهم ، بل وصل الأمر ببعض أولئك السّاسةِ والناشطين ، إلى أن يعملوا على تحريض الشّباب على الخروج إلى الشّارع ، ومواجهة السلطات، مع القول بأنهم على إستعداد لتقديم المزيد من الشهداء ؛ علماً بأن هذا البعض الذي يحرّض على الخروج إلى الشارع، ومصادمة السلطات -يقيم في الخارج ، وربما لم يقم بزيارة وطنه وأهله منذ سنوات.
*إنتظر إبننا الشاب إجابتي، فقلتُ له إنَّ السّياسي الكبير، هو الذي يضع الوطن نصب عينيه، ولا يُحابي أحداً في الحقِّ، حتى وإن كان من أهل بيته أو حزبه او من عشيرته الأقربين ، لأن العدل هو أساس الملك ، والسُياسي والقيادي الحزبي يسعى للحكم لا لغيره ، وهو يعلم إن الملك والحكم ، لا يدوم ، وإنه لا ملك أو حكم إلّا لله
*ورويت له ما عرفناه من آبائنا، ومن سجلّات تاريخ الحركة الوطنية ، وقد سمعت الكثير من ذلك ، من السيّد الوالد محمود ابوالعزائم – رحمه الله – ، وتقول إحدى الوقائع إنّ بعض نواب الحزب الوطني الإتحادي ، داخل البرلمان ، أخذوا يتململون بعد أن تم تنفيذ إتفاقية عام 1953 م ، بنسبة قاربت الثمانين في المائة ، وإقترب موعد الإستفتاء على ( الإستقلال ) أو (الإتّحاد مع مصر ) ، وقد إجتمع النّوّابُ حسن محمد زكي، والوسيلة الشيخ السمّاني ، ومحمد كرّار كجر – رحمهم الله جميعاً – وأخذوا يتداولون في أمر الإتّحاد مع مصر، وخلصوا إلى أنه ليس من حقّهم ، ولا من حقّ غيرهم، أن يقرروا مصير السّودان نيابةً عن الأجيال القادمة ، لذلك عليهم أن يحصلوا على الإستقلال أولاً، ليقرّر السودانيّون بعد ذلك الإتحاد مع مصر ، أو عدمه.
بدأ نشاط النّوّاب الثلاثة وسط أعضاء الهيئة البرلمانية ، فكسبوا ثقة أحد أكثر أعضائها نشاطاً وحيويةً وتأثيراً ، وهو الراحل المقيم محمد جبارة العوض ، وهو رجلٌ تاريخ ، ويُذْكَر أنه قام بشحن قطار كامل من رجال كسلا والشرق للمشاركة في ثورة أكتوبر عام 1964 م ، لكن هذه قصة أخرى ، نعرض لها في مقبل الأيام إن كان في العمر بقيّة.
*قاد النائب محمد جبارة العوض ، مع النّوّاب الثلاثة الإتصالات السرّيّة ، ونجحوا في إستمالة نوّابٍ آخرين إلى دعوتهم تلك ، التي سمع بها البروفيسور محمد عبدالله نور ، عميد كُلّية الزراعة بجامعة الخرطوم وقتها ، وسمح لهم بعقد إجتماعاتهم داخل الكُلّية ، ثم علِم القطب الإتحادي الكبير ، مبارك زروق بالأمر فشجّعهم على المُضي فيه ، وعلِم ( البلدوزر)يحيى الفضْلي بتلك التحركات ، فباركها وإنضم إليها، وعلِم أحد مؤسسي صحيفة الأيام ورئيس تحريرها آنذاك بشير محمد سعيد بالأمر، وهنا جاء دور الصحافة.
*تبنّت صحيفة الأيام قضيّة الإستقلال ، من خلال قلم رئيس تحريرها المؤثر بشير محمد سعيد ، الذي سحب ببابه (متنوعات .. أخبار .. وأفكار) البساط من تحت أقدام أي صحيفة تصدر في السّودان آنذاك، وإنتهى أمر أصحاب الدعوة للإستقلال من داخل الحزب الوطني الإتحادي، إلى أن يقدّموا مذكرة إلى رئيس الحزب، يدعونه فيها إلى تغيير موقف الحزب من الإتّحاد إلى الإستقلال ، وكانت مقالات الأستاذ بشير محمد سعيد قد أقنعت النّاس بالإستقلال ، وكانت جماهير الحزب تذهب إلى الزعيم الأزهري في بيته تحمل ذات الطلب ، وكذلك عدد من النّوّاب الذين إحتوتهم الدائرة ، و بعد أن تسلّم الزعيم المذكرة إحتفظ بها ، ولكن مع الضغوط المستمرة من أعضاء الهيئة البرلمانية ، ومن النّوّاب ، ومن جماهير وعضوية الحزب ، أصدر الأزهري تصريحات أقرب للقرار، بأن هذا الأمر تملكه جماهير الحزب في السّودان ، لذلك رأى أن يقوم بجولة واسعة يطوف فيها طول البلاد وعرضها، مجتمعاً بالدوائر الفرعية فيها، ورافقه في رحلته تلك كبار الصّحفيين، بشير محمد سعيد ، إسماعيل عتباني، وأحمد يوسف هاشم ، وعاد بتفويض من من جماهير الحزب وعضويته بدعوة الهيئة البرلمانية للحزب مبيّناً إن الجماهير تريد الإستقلال ، وقررت الهيئة البرلمانية الإستقلال بما يشبه الإجماع ، إلّا عضوان إثنان، وهو ما دعا الأزهري وهو رئيس للوزراء أن يطلق تصريحه الشهير، وهو يرد على مسألتين مستعجلتين، من داخل البرلمان الأولى لعضو من الجنوب، والثانية لعضو حزب الأمة يعقوب حامد بابكر، الأولى تحدثت عن أن هناك معلومات بأن إتفاقاً سرّياً تم بين الحكومة وجهات أجنبية، لإنشاء قواعد أجنبية في البلاد، والثانية تقول إن هناك طائرات أجنبية بتصريح حكومي رسمي، تحوم في الأجواء السّودانية ، فكان رد الأزهري إنه لا علم له بما قيل، وإنه غير حقيقي ، وقال : ( إن حكومتي مهمتها تنفيذ إتفاقية عام 1953 م، وأن تسودِن وظائف البريطانيين، وأن تحقق الجلاء ، فتمت السودنة بحمد الله ، وتم الجلاء بحمد الله ، وسوف أُعْلِن الإستقلال من داخل هذه القاعة يوم الإثنين القادم.
*كلمة الأزهري كانت مفاجئة لحكومتي مصر وبريطانيا ، بل وكل الاحزاب السّودانية بما فيها حزبه شخصياً ، وقد جرت خلال يومين إتصالات مكثفة لمقابلة الوضع الجديد ، وقد سمعتُ من والدي رحمه الله ، ثم لاحقاً من محمود الفضْلي، إن وفداً من ثلاثة أشخاص ذهبوا إلى السيّد الإمام عبدالرحمن المهدي، يحرّضونه على ما أعلنه الأزهري، لأنها هي دعوة الإمام عبدالرحمن، والثلاثة هم الصّديق المهدي، وميرغني حمزة ، ومحمد أحمد محجوب، فردّهم السيّد عبدالرحمن بغضب، وإستدعى في لحظته عبدالرحمن النور قاضي المحكمة العليا، والأمير عبدالرحمن نقدالله، وشخصاً ثالثاً ذكر والدي إنه يميل إلى أنه أمين التوم، وطلب إليهم أن يذهبوا فوراً إلى إسماعيل الأزهري في بيته، لإبلاغه إن السيّد عبدالرحمن يطلب منه السير بحزم في طريقه ، وإنه يقف إلى جانبه حتى نهاية الطريق، وقد إرتفعت الروح المعنوية لرئيس الوزراء ، الذي كان معه وقتها يحيى ومحمود الفضْلي وصالح عرابي ، وهو موقف عظيم من السيّد عبدالرحمن الذي يشهد له التاريخ بمواقف عظيمة كثيرة ، لكن هذا من أعظمها.
*قصصتُ على الإبن الشاب ما قرأتموه الآن ، وسألته قائلاً : هل عرفت لماذا كان السّاسةُ كِباراً ؟ إبتسم الإبن الشاب، وهزّ رأسه إعجاباً بجيل غاب إلّا من كُتب السّير الذاتية والتاريخ، رحمهم الله جميعاً .. وتقبل منهم بذلهم وعطاءهم وصالح أعمالهم ، من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة وجعلها خالصة لوجهه الكريم … وكل عام والوطن بألف ألف ألف خير.