آخر الأخبار

التربية والطب بين العلم والمصالح

درب التبانة

د . الحسين تاج الدين احمد

 

*بين التنظير التربوي والتنظير الطبي تتكشف قضية تمس حياة الآخرين بشكل مباشر، لكن ما يزيدها تعقيدًا هو دخول أطراف أخرى على الخط، مثل الشركات الكبرى والمؤسسات الدوائية، التي قد تلعب دورًا في تشكيل النظريات أو دفعها نحو التطبيق قبل اكتمال التحقق العلمي. في التربية، كثير من الأفكار تنشأ من ملاحظات فلسفية أو اجتماعية، لكنها لا تُختبر دائمًا بالصرامة العلمية، مما يجعلها إطارًا فكريًا يُطبّق على الطلاب وقد يُظهر نتائج متباينة بحسب الثقافة والسياق. أما في الطب، فالنظريات تبدأ أيضًا بفرضيات، لكنها لا تُعتمد إلا بعد المرور بمراحل دقيقة من التجريب المخبري والسريري والمراجعة العلمية الصارمة، لأن أي خطأ قد يعني فقدان حياة في لحظة.

*ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا: هل كل ما يُطرح في المجال الطبي هو تنظير علمي صارم، أم أن بعضه مجرد جدل غير مثبت؟ الجدل الذي أثاره الطبيب المصري ضياء العوضي مثال حي على كيف يمكن أن يتحول التنظير غير المدعوم بالأدلة إلى خطر مباشر، حين دعا مرضى السكري إلى وقف الأنسولين والاعتماد على نظام غذائي غير مثبت، مما أدى إلى نتائج مأساوية. هذه الحادثة تكشف أن الفاصل بين النظرية العلمية والجدل قد يكون هشًا إذا غاب التحقق العلمي.

*لكن القضية لا تقف عند الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات الكبرى. مع جائحة كورونا، شهد العالم جدلًا واسعًا حول اللقاحات، وبدأت الأسئلة تُطرح: هل الشركات الدوائية لعبت دورًا في تسريع اعتماد بعض اللقاحات قبل اكتمال الدراسات الطويلة؟ هل كان ذلك استجابة لظرف طارئ أم خضوعًا لضغوط اقتصادية وسياسية؟ وهل يمكن أن تتحول حياة البشر إلى ساحة لتجارب تُفرض من أعلى دون نقاش كافٍ؟.

*هذه التساؤلات تفتح الباب أمام مراجعة شاملة: كيف نضمن أن التنظير التربوي لا يبقى مجرد جدل أكاديمي بعيد عن الواقع، وأن التنظير الطبي لا يتحول إلى أداة بيد الشركات أو الأفراد غير المؤهلين؟ القضية إذن ليست رفض التنظير، بل ضمان أن كل فكرة تُبنى على أساس علمي وتجريبي، وأن المؤسسات الكبرى لا تستغل ثقة الناس لتسويق ما لم يُثبت بعد. فحياة الآخرين – سواء في الصف أو في غرفة العمليات – لا تحتمل أن تكون مجرد حقل تجارب غير محسوب.