آخر الأخبار

ماذا تريد إثيوبيا من السودان؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*العلاقات بين السودان وإثيوبيا لم تكن يومًا علاقات عابرة أو بسيطة؛ فهي علاقة تحكمها الجغرافيا والتاريخ والدم والمصالح المعقدة والتداخل السكاني والحدودي، كما تتحكم فيها أيضًا حسابات الأمن القومي والتحولات الإقليمية والدولية. لكن ما يجري اليوم بين الخرطوم وأديس أبابا يتجاوز حدود الخلافات التقليدية بين دولتين جارتين، ليكشف عن مشروع سياسي واستراتيجي إقليمي اختيرت إثيوبيا لتنفيذه يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم، حتى وإن جاء ذلك على حساب السودان واستقراره ووحدته الوطنية.

*فقرار إثيوبيا تعليق قبول ترشيح السفير السوداني عبد الغني النعيم، وما تبعه من مسيرات انطلاقا من الأراضي الأثيوبية استهدفت انسان وأمن واستقرار السودان استدعى على اثرها السودان سفيره الزين إبراهيم للتشاور، لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل مؤشر واضح على دخول العلاقات بين البلدين مرحلة أكثر توترًا وتعقيدًا، خاصة في ظل الحرب التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023، وما أفرزته من اصطفافات إقليمية ومواقف متباينة تجاه الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية.

*السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: ماذا تريد إثيوبيا من السودان؟ ولماذا تبدو مواقفها في كثير من الأحيان أقرب إلى الضغط السياسي والاستثمار في حالة الضعف السوداني بدلًا من دعم الإستقرار والشراكة الطبيعية بين البلدين؟.

*الإجابة تبدأ من فهم العقل الاستراتيجي الإثيوبي نفسه. فإثيوبيا تنظر إلى السودان باعتباره المجال الحيوي الأكثر أهمية لأمنها القومي غربًا، وترى أن وجود دولة سودانية قوية ومستقرة وفاعلة إقليميًا قد يحد من طموحاتها الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بالنفوذ في القرن الإفريقي وملف المياه والتوازنات الحدودية.

*ومن هنا يمكن فهم كثير من السلوك الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة، سواء في ملف سد النهضة، أو في قضية الفشقة، أو حتى في طريقة التعاطي مع الأزمة السودانية الراهنة. ففي الوقت الذي كان السودان ينتظر فيه موقفًا داعمًا لوحدته واستقراره، بدت أديس أبابا وكأنها تفضّل إدارة الأزمة السودانية بما يحقق مصالحها الاستراتيجية أولًا، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف الدولة السودانية وإطالة أمد الحرب.

*لقد تعاملت إثيوبيا مع الحرب السودانية بعقلية إدارة الفرص، لا بعقلية حماية الجوار.. فهي تدرك أن انشغال السودان بحرب داخلية يمنحها مساحة أوسع للتحرك في الملفات العالقة، ويخفف الضغط عليها في قضايا الحدود والمياه والنفوذ الإقليمي. كما أن السودان المنهك بالحرب يصبح أقل قدرة على فرض شروطه أو الدفاع عن مصالحه في الملفات الثنائية الحساسة.

*وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل المؤشرات المتزايدة التي تتحدث عن وجود علاقات واتصالات غير معلنة بين أطراف إثيوبية وبعض المجموعات المرتبطة بالمليشيا المتمردة الإرهابية، وهي مؤشرات ظلت تتكرر في تقارير وتحليلات سياسية وإعلامية متعددة، خاصة مع تنامي نشاطات مشبوهة على الحدود، وظهور معلومات حول معسكرات وتحركات داخل العمق الإثيوبي أثارت كثيرًا من التساؤلات والقلق داخل الأوساط السودانية.

*كما أن حادثة طرد فريق تابع لوكالة رويترز من أديس أبابا بعد نشر معلومات تتعلق بمعسكرات تدريب مرتبطة بالمليشيا المتمردة الإرهابية، فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات أكبر حول طبيعة ما يجري خلف الكواليس، وحول حساسية السلطات الإثيوبية تجاه أي معلومات تربط أراضيها بتحركات عسكرية أو لوجستية ذات صلة بالأزمة السودانية.

*ورغم أن إثيوبيا تحاول دائمًا تقديم نفسها بوصفها وسيطًا أو طرفًا حريصًا على السلام والاستقرار، فإن ممارساتها السياسية على الأرض كثيرًا ما تعكس سلوك الدولة الباحثة عن النفوذ، لا الدولة الحريصة على التوازن الإقليمي. فالدبلوماسية الإثيوبية تتحرك وفق مبدأ المصالح البحتة، وهي مستعدة لتوظيف الأزمات المحيطة بها لخدمة مشروعها الإقليمي، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة.

*ولا يمكن فصل الموقف الإثيوبي الحالي عن أزماتها الداخلية أيضًا. فالحكومة الإثيوبية تواجه تحديات عرقية وسياسية وأمنية معقدة، من إقليم تيغراي إلى أمهرا وأوروميا، وهي تدرك أن تصدير بعض الأزمات للخارج أو خلق حالة استقطاب إقليمي قد يمنحها متنفسًا سياسيًا ويعيد ترتيب أولويات الداخل الإثيوبي.

*كما أن أديس أبابا تدرك أهمية موقع السودان الجغرافي في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتعرف أن أي تغير في موازين السلطة داخل السودان سينعكس مباشرة على التوازنات الإقليمية بأكملها. لذلك فهي تسعى إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراق التأثير داخل المشهد السوداني، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو عبر العلاقات غير المباشرة مع بعض الفاعلين في الأزمة.

*لكن في المقابل، يبدو أن إثيوبيا تغفل حقيقة مهمة؛ وهي أن استقرار السودان ليس مصلحة سودانية فقط، بل مصلحة إثيوبية وإقليمية أيضًا. فالسودان إذا دخل في مرحلة انهيار شامل، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدوده، بل ستتمدد إلى كامل الإقليم، بما في ذلك إثيوبيا نفسها، التي تعاني أصلًا من هشاشة داخلية وصراعات ممتدة.

*إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من التوتر أو المناورات السياسية، بل مراجعة حقيقية لطبيعة العلاقة بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة. فالسودان لا يبحث عن خصومة مع إثيوبيا، لكنه أيضًا لا يستطيع تجاهل أي مواقف أو تحركات تمس أمنه القومي أو تُفهم باعتبارها دعمًا غير مباشر لأطراف تهدد الدولة السودانية.

*وعلى السودان، في المقابل، أن يتعامل مع هذا الواقع بعقل استراتيجي بارد، لا بردود أفعال عاطفية.. فإدارة العلاقة مع إثيوبيا تحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات دبلوماسية محترفة، ورؤية متكاملة للأمن القومي، تقوم على بناء التحالفات، وتعزيز الوجود السوداني في الإقليم، واستثمار أدوات القوة السياسية والإعلامية والاقتصادية بصورة أكثر فاعلية.

*كما أن المرحلة الحالية تتطلب من النخب السودانية قراءة التحولات الإقليمية بوعي أعمق، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو التبسيط السياسي. فالصراع في المنطقة لم يعد مجرد خلافات حدودية أو دبلوماسية، بل أصبح صراع نفوذ وممرات ومياه وتحالفات ومصالح دولية معقدة.

*وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا تريد إثيوبيا من السودان؟

بل أيضًا: ماذا يريد السودان لنفسه؟ وكيف يمكنه أن يستعيد عافيته الداخلية، ويبني دولة قوية قادرة على حماية مصالحها، وفرض احترامها، والتعامل مع محيطها الإقليمي بندية وثقة واتزان؟.

*فالدول لا يحميها الغضب وحده، بل تحميها القوة، ووحدة الجبهة الداخلية، ووضوح الرؤية، وحسن إدارة المصالح الوطنية.. وللحديث بقية. بإذن الله تعالى.