في ظل إنعدام الكهرباء بالشمالية.. الأمن الغذائي في مهب الريح (1-2)
- إنخفاض إنتاجية الفدان من القمح بنسبة 25% بسبب الكهرباء
- مساحات زراعية واسعة تحولت إلى حقول جافة لا تحمل سوى آثار موسم ضائع
- إحباط وسط المزارعين.. ومناشدة عاجلة للدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
- جفاف مساحات واسعة من المحاصيل الزراعية وتحولها لنباتات ذابلة
الدبة – عادل الحاج:
على امتداد الشريط النيلي في الولاية الشمالية، حيث ظلت الأرض لعقود طويلة تجود بالقمح والتمور والموالح والخضروات والأعلاف، يتكرر اليوم مشهد مؤلم لم يألفه سكان المنطقة من قبل.. حقول شاحبة فقدت خضرتها وأشجار مثمرة تصارع العطش ومزارعون يقفون عاجزين أمام محاصيل أنفقوا عليها مدخراتهم ثم رأوها تذبل أمام أعينهم بسبب الإنقطاع المتواصل للتيار الكهربائي.. ففي ولاية تُعد من أهم المناطق الزراعية في السودان لم يعد الحديث عن الكهرباء مجرد شكوى من إنقطاع خدمة أساسية بل أصبح حديثاً عن خسائر بالمليارات وأحلام تتبخر وأمن غذائي بات مهدداً بصورة غير مسبوقة.. وبين المزارعين والمستثمرين والرعاة تتعدد الروايات لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أن الكهرباء أصبحت اليوم العامل الفاصل بين الحياة والموت للقطاع الزراعي.. التحقيق التالي يكشف كيف تسبب إنعدام الكهرباء في إحتراق المحاصيل الزراعية عطشا بمحليتي مروي والدبة.
واقع مرير:

في قرية حسينارتي، تحدث للصحيفة المستثمر الزراعي، حذيفة سيد أحمد المكي، بمرارة عن الواقع الذي يعيشه المزارعون في المنطقة، مؤكداً أن الزراعة تمثل العمود الفقري لحياة السكان ومصدر رزقهم الأول والأخير.. ويقول إن الأهالي ظلوا يتلقون الوعود المتكررة بشأن عودة التيار الكهربائي وإستقرار الإمداد، إلا أن تلك الوعود لم تتحول إلى واقع ملموس، بينما كانت المحاصيل تذبل يوماً بعد آخر.. ويضيف:
كثيرا من المزارعين إستدانوا لتوفير التقاوي والأسمدة ومدخلات الإنتاج المختلفة، على أمل تحقيق عائد يعينهم على مواجهة أعباء الحياة، لكن الإنقطاعات المتكررة للكهرباء أدت إلى توقف الطلمبات وإنقطاع مياه الري، فتحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى حقول جافة لا تحمل سوى آثار موسم ضائع.. فالأزمة لم تعد إقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة إجتماعية ونفسية أيضاً، حيث تسود حالة من الإحباط وسط المزارعين الذين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الخسائر.
القمح يتراجع:

المهندس الزراعي، عمر بادي محمد، بشركة أمطار للإستثمار، أكد في حديثة للصحيفة أن تأثير أزمة الكهرباء ظهر بصورة واضحة في محصول القمح، الذي يمثل أحد أهم المحاصيل الإستراتيجية في السودان، مشيرا أن متوسط إنتاج الفدان إنخفض خلال الموسم الشتوي الأخير من نحو 18 جوالاً إلى 14 جوالاً فقط، أي بنسبة تراجع بلغت حوالي 25%.. ويعزو هذا الإنخفاض إلى إضطراب عمليات الري الناتجة عن الإنقطاع المستمر للكهرباء، إذ تحتاج زراعة القمح إلى إنتظام دقيق في مواعيد الري خلال مراحل النمو المختلفة، وأي خلل في هذا النظام ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج وجودته.. ويضيف
إستمرار هذه الأوضاع يشكل تهديداً حقيقياً لخطط التوسع في إنتاج القمح وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.. ولا تقتصر آثار الأزمة على القمح وحده، فالضرر طال أيضاً محاصيل الخضروات المختلفة مثل البامية والطماطم والباذنجان والفلفلية والشطة، إلى جانب أشجار الموالح والنخيل التي تشكل ركائز أساسية للإقتصاد الزراعي في الولاية الشمالية، وبعض هذه الزراعات يمكن تعويضها في موسم لاحق، لكن الأشجار المثمرة تمثل إستثمارات طويلة الأجل تحتاج إلى سنوات من الرعاية حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج، ولذلك فإن تعرضها للجفاف يهدد بخسائر تمتد آثارها لسنوات عديدة.
خسائر كبيرة:
أما المستثمر الزراعي، الشيخ جمال الدين، من حسينارتي، فيروي تفاصيل الخسائر التي تكبدها خلال الموسمين الشتوي والصيفي، بقوله إنه كان يتوقع إنتاج نحو 40 جوالاً من القمح من مساحة فدانين، إلا أن الحصاد لم يتجاوز 15 جوالاً فقط بسبب نقص مياه الري.. ويشرح أن المحصول حُرم من شربتين أساسيتين خلال مراحل النمو الحرجة نتيجة إنقطاع الكهرباء، ما أدى إلى ضعف إمتلاء الحبوب وتراجع الإنتاج بصورة كبيرة.. ويضيف:
الموسم الصيفي الحالي كان أكثر قسوة، إذ إستمر إنقطاع الكهرباء لفترات طويلة تجاوزت الشهر في بعض المناطق، الأمر الذي تسبب في جفاف مساحات واسعة من المحاصيل الزراعية وتحولها إلى نباتات ذابلة لا تصلح للإنتاج.. وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لجأ بعض المزارعين إلى تشغيل طلمبات الري بواسطة الوقود، إلا أن إرتفاع أسعار الديزل جعل هذا الخيار شبه مستحيل بالنسبة للكثيرين.. فتكلفة تشغيل الطلمبات بالديزل أصبحت باهظة للغاية، ما دفع عدداً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن زراعتها بالكامل.. وإستمرار إرتفاع تكاليف التشغيل بالتزامن مع تراجع الإنتاجية يهدد بخروج أعداد كبيرة من المنتجين من دائرة الإنتاج الزراعي.. ومع تفاقم الأزمة، إتجه عدد من المستثمرين إلى إستخدام الطاقة الشمسية لتشغيل طلمبات الري، لكن هذا الحل، رغم فعاليته، لم يكن متاحاً للجميع، حيث شهدت أسعار الألواح الشمسية والبطاريات ومكوناتها إرتفاعاً تجاوز 100% خلال الفترة الأخيرة بسبب زيادة الطلب عليها، وأصبح التحول إلى الطاقة الشمسية يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لا يملكها معظم صغار المزارعين، الأمر الذي جعل الإستفادة من هذا البديل مقتصرا على شريحة محدودة.
الحلقة القادمة:
ــ مزارع يرسم لوحة حزينة لما يحدث بمشروع النهضة الزراعي بكورتي.
ــ تراجع إنتاج البرسيم لضعف الري أدى لنقص الأعلاف وإرتفاع أسعارها بنسبة كبيرة.
ــ إنقطاع الكهرباء لأكثر من شهر تحول لكارثة حقيقية تهدد مستقبل الزراعة والآف الأسر بمنطقة فقير نكتي.
ــ مزارعو البساتين إضطروا لقطف ثمار المانجو قبل إكتمال نضجها خوفا من تساقطها بسبب العطش.
ــ المزارعون بمنطقة حسينارتي ظلوا يتلقون الوعود بعودة الكهرباء بينما محاصيلهم تذبل يوما بعد آخر.