آخر الأخبار

الأزمة الاقتصادية.. من المسؤول وما الحل؟

تقرير- الطيب عباس:
تراجع الجنيه السوداني بشكل مريع خلال الأسبوع الماضي، حيث وصل إلى أكثر من 4700 مقابل الدولار وأكثر من 1200 مقابل الريال السعودي ونحو 93 مقابل الجنيه المصري، في قفزة أربكت السوق وفجرت موجة غير مسبوقة من الغلاء بالسودان.
تزامن ذلك مع انعدام كامل للوقود بالطلمبات وعادت الصفوف بشكل أعنف، بينما انتشرت ظاهرة السوق الأسود للوقود، الذي وصل إلى 60 ألف جنيه للجالون الواحد في بعض المناطق.
غضب شعبي وتحرك حكومي:
الأزمة الأخيرة ولدت غضبا كبيرا وسخطا واسعا في الشارع السوداني، سيما مع انقطاع شبه مستمر في التيار الكهربائي بدأت معه الحياة شبه مستحيلة، ما دفع رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للتعليق على الأزمة للمرة الأولى على الأقل بعد الحرب.
واتهم البرهان، خلال زيارته لمنطقة العيلفون ظهر الجمعة، جهات لم يسمها بتأجيج الأوضاع الإقتصادية، وقال إن الأزمة الاقتصادية الحالية بفعل فاعل، مردفا أن الشعب قادر على تجاوز كل المخططات، وحث السودانيين على عدم الضيق، لافتا إلى أن السودان تجاوز أوضاعا أصعب من ذلك، وأضاف أزمة الوقود والكهرباء لا تمثل شىء بالنسبة للحرب والقذائف والدانات والنزوح واللجوء، وتابع تحملنا كل ذلك ومضينا خطوة للأمام وسنمضي خطوات في اتجاه استكمال تحرير البلاد والقضاء على المليشيا.
من المتسبب؟:
وبينما لم يصرح رئيس المجلس السيادي صراحة بالجهة المتسببة في هذه الأزمة التي حدثت بفعل فاعل وفقا لحديثه، قال وزير الإعلام خالد الإعيسر، إن التلاعب باستقرار العملة وأسعار المشتقات النفطية لا يمثل جشعاً اقتصادياً فحسب، وإنما يُعد تهديداً مباشراً للأمن الوطني ومحركاً رئيسياً لارتفاع الأسعار.
واعتبر تصريح وزير الإعلام على نطاق واسع تهديدا مبطنا لجهة لم يتم ذكرها رسميا تقف وراء الأزمة الأخيرة، لكن الرسالة وصلت على أي حال، وإن كانت غير مجدية في نظر مراقبين، لجهة أن الدولة التي عجزت حتى عن تسمية الفاعل لا يمكن أن تعاقبه.
الكاتب الصحفي ضياء الدين بلال كان أكثر تحديدا، وهو يشير إلى الجهة المتسببة في ارتفاع الدولار الأسبوع الماضي، واتهم بلال في منشور على صفحته بموقع (فيس بوك) شركات حكومية بالتسبب في ارتفاع الدولار، دون أن يسمي هذه الشركات أيضا.
فيما تساءل الكاتب الصحفي عزمي عبد الرازق عن الفاعل الذي تسبب في الأزمة الاقتصادية الأخيرة والذي عجزت الدولة عن تسميته، لكنها اضطرت لمزاحمته في السوق؟ من خلال السماح بدخول الشركات الحكومية في استيراد الوقود، وأضاف عزمي، (هل هذا الفاعل معلوم بالضرورة أم مبني للمجهول؟ إذا كان هذا الفاعل (مبنياً للمجهول) في خطابات الدولة.. فمن هو (نائب الفاعل) على أرض الواقع؟
الحكومة نفسها – فيما يبدو – لم تتوقف كثيرا عند محطة معرفة الفاعل الذي خرب الاقتصاد وأرهق السودانيين، وإنما تجاوزته بإصدار قرارين اقتصاديين في محاولة لمعالجة ما يمكن معالجته.
خطوات للحل:


سريعا، بعد تصريح رئيس مجلس السيادة، أصدر مجلس الوزراء السوداني، خلال اجتماع طارئ الجمعة، قرارا بدخول الشركات الحكومية في عملية استيراد الوقود، وجاءت الخطوة بحسب مراقبين بعد ممارسات جشعة من الشركات الخاصة التي تملك حق استيراد الوقود، دفعتها للتباطوء في تفريغ الوقود الموجود داخل البواخر، طمعا في زيادة أسعاره، وهو ما دفع وزارة الطاقة في وقت لاحق الجمعة، إلى توجيه إنذارات لهذه الشركات دون مزيد من التفصيل في الأمر.
وبحسب إعلام مجلس الوزراء، فإن قرار دخول الشركات الحكومية في استيراد الوقود جاء لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، ووجه مجلس الوزراء، في هذا الصدد، الأجهزة الأمنية إتخاذ مايلزم لحماية الاقتصاد الوطني.
وبينما يقول وزير الاعلام، إن قرار إستيراد المشتقات البترولية مباشرة من قبل الحكومة، خطوة شجاعة وحاسمة من شأنها تعزيز وفرة المشتقات النفطية، والحد من الاحتكار، والمساهمة في كبح الغلاء.
يرى الخبير الاقتصادي، د. عمار سليمان، أن القرار ليس له قيمة تذكر، خصوصا وأن الشركات الحكومية ستلجأ للحصول على العملة الصعبة من السوق الأسود، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع الوقود مجددا، واقترح دكتور عمار، إنشاء محفظة بين بنك السودان ووزارة المالية لتوفير العملة الأجنبية لاستيراد الوقود وتجنب السوق الأسود تماما، معتبرا أن تخصيص نسبة من عائدات الصادر لصالح شراء السلع الإستراتيجية سيسهم في تقليل الإقبال على السوق الأسود للعملة ويؤدي إلى انخفاض أسعاره.

بعد ساعات أيضا من تصريحات رئيس المجلس السيادي، أجرى بنك السودان المركزي تعديلات وصفت بالجوهرية في سياسة شراء وتصدير الذهب الحر وذهب شركات مخلفات التعدين.
وألغت التعديلات التي صدرت الجمعة، الفقرة الخاصة بأوجه استخدام حصائل صادرات الذهب الحر وذهب شركات مخلفات التعدين، وأقرت استخدام حصيلة صادر الذهب الحر في الاستيراد لصاحب الحصيلة وفق الضوابط المنظمة للاستيراد، أو بيع الحصيلة للمصرف المصدر أو أي مصرف آخر أو لبنك السودان المركزي.
كما ألغت التعديلات كذلك، الإجراءات المصرفية لتصدير ذهب شركات مخلفات التعدين، على أن يتم شراء ذهب شركات مخلفات التعدين بنسبة (100%) بواسطة بنك السودان المركزي وبسعره المعلن بعد خصم الأرباح والعوائد الجليلة عيناً من الإنتاج الكلي.
وحسب التعديلات تم إلغاء المادة الخاصة بالحد الأدنى لعقد الصادر، حيث كان الحد الأدنى المعتمد سابقا 10 كيلوغرامات وتم تعديل هذه المادة ليصبح الحد الأدنى لاعتماد عقد صادر الذهب الحر واحد كيلو جرام فقط.
ما علاقة هذا بالأزمة الاقتصادية؟:
وفق خبراء اقتصاديون، يستهدف القرار، توفير النقد الأجنبي لتمويل السلع الأساسية عبر القنوات الرسمية، بما فيها الوقود ويهدف إلى تخفيف الضغط على العملات الأجنبية، استقرار سعر صرف الجنيه السوداني، وتأمين الاحتياجات الضرورية.
وحسب منطوق القرار، فإنه يُلزم المصدرين بإيداع حصائل صادر الذهب في حساباتهم وإدارتها عبر المصارف، مما يعزز التدفقات داخل الجهاز المصرفي بدلاً من بقائها في السوق الموازية، كما ستتيح الحصيلة للمستوردين استخدامها أو بيعها للمصارف ما يوفر مصادر رسمية للدولار، ويحد هذا بدوره من المضاربة التي ترفع أسعار العملات الأجنبية.
ويرى مراقبون أن قرار بنك السودان جيد وفاعل، ويمكن أن يسهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية، حال تم تطبيقه بالصورة المثلى وبجدية أكبر.