
الثروة والإرادة الوطنية… مفاتيح نهضة السودان الاقتصادية
كيف ننعش اقتصادنا ونستعيد مكانة السودان بين الدول؟
د. ميمونة سعيد أدم
باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية
*يمر السودان بمرحلة دقيقة من تاريخه الاقتصادي نتيجة التحديات التي فرضتها الحرب وتداعياتها على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، إلا أن الأمم العظيمة لا تُقاس بحجم الأزمات التي تواجهها، بل بقدرتها على تجاوز تلك الأزمات وتحويلها إلى فرص للنهوض والبناء. ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن إنعاش الاقتصاد السوداني لا ينبغي أن يقتصر على دور الحكومة وحدها، بل يجب أن يشمل دور المواطن والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية كافة، لأن التنمية مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الإرادة الوطنية.
*يمتلك السودان من الموارد الطبيعية والثروات ما يجعله واحداً من أغنى دول المنطقة. فالأراضي الزراعية الشاسعة، والمياه المتوفرة، والثروة الحيوانية الضخمة، والمعادن المتنوعة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، كلها عناصر قوة اقتصادية لا تتوفر لكثير من الدول التي حققت تقدماً اقتصادياً كبيراً. ولذلك فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في كيفية إدارتها واستغلالها بصورة فعالة تحقق التنمية المستدامة وتنعكس إيجاباً على حياة المواطنين.
*إن ما تمليه علينا الظروف الحالية يفرض علينا جميعاً الوقوف إلى جانب دولتنا ومؤسساتنا الوطنية والعمل بروح المسؤولية الوطنية. فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالإنتاج والعمل والالتزام والإيمان بالمستقبل. وفي ظل التحديات الراهنة يصبح من الضروري أن يتحول كل مواطن إلى شريك في عملية البناء الاقتصادي من خلال دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار الوطني، وترشيد الاستهلاك، والابتعاد عن الممارسات التي تضر بالاقتصاد مثل المضاربات والاحتكار والاكتناز غير المنتج.
*ويُعد القطاع الزراعي الركيزة الأساسية التي يمكن أن يقود من خلالها السودان عملية التعافي الاقتصادي. فالزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل تمثل مصدراً للأمن الغذائي وفرص العمل وعائدات الصادرات. وقد أثبتت التجارب أن الدول التي استطاعت تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي تمكنت من بناء اقتصادات أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات. ولذلك فإن إعادة تأهيل المشاريع الزراعية الكبرى، وتوفير التمويل للمزارعين، وتحسين البنية التحتية الزراعية، واستخدام التقنيات الحديثة في الإنتاج، يجب أن تكون من أولويات المرحلة المقبلة.
إلى جانب الزراعة، تأتي الصناعة باعتبارها المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.. فالدول لا تتقدم فقط بإنتاج المواد الخام، وإنما بتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ويملك السودان فرصاً كبيرة في الصناعات الغذائية والتحويلية وصناعات الجلود واللحوم والزيوت والمنتجات الزراعية المختلفة.. إن إقامة المصانع وتشجيع الصناعات الوطنية يساهم في خلق فرص العمل وتقليل الواردات وزيادة الصادرات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.. كما أن الصناعة تمثل جسراً يربط بين الإنتاج الزراعي والأسواق المحلية والعالمية.

*ولا يقل قطاع التعدين أهمية عن الزراعة والصناعة، إذ يمتلك السودان ثروات معدنية كبيرة على رأسها الذهب والمعادن الأخرى التي يمكن أن تشكل مورداً مهماً للنقد الأجنبي إذا أُديرت وفق سياسات شفافة وعادلة تحقق المصلحة الوطنية. ويتطلب ذلك تنظيم عمليات التعدين، ومكافحة التهريب، وضمان دخول عائدات الموارد الطبيعية إلى الاقتصاد الوطني بما ينعكس على الخدمات والتنمية والبنية التحتية.
*إن نجاح أي خطة اقتصادية يتطلب كذلك تعزيز ثقافة العمل والإنتاج بين أفراد المجتمع. فالتنمية لا تتحقق بالاعتماد على الدولة وحدها، وإنما بوجود مجتمع منتج يؤمن بقيمة العمل ويسعى إلى الابتكار والإبداع. ويجب أن يكون الشباب في مقدمة عملية البناء الاقتصادي من خلال الانخراط في المشاريع الإنتاجية وريادة الأعمال والاستفادة من التقنيات الحديثة لخلق فرص جديدة للنمو والتنمية.
*كما أن القطاع الخاص الوطني يمكن أن يلعب دوراً محورياً في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. فالحكومات وحدها لا تستطيع توفير جميع الاستثمارات المطلوبة، ولذلك فإن تشجيع المستثمرين الوطنيين وتوفير البيئة المناسبة للأعمال وحماية رؤوس الأموال الوطنية يعد أمراً ضرورياً لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وكلما ازدادت الثقة في الاقتصاد الوطني زادت الاستثمارات وارتفعت معدلات الإنتاج والتشغيل.
*ومن المهم كذلك أن ندرك أن بناء الاقتصاد يبدأ من بناء الثقة.. فالثقة بين المواطن والدولة، والثقة في المؤسسات الوطنية، والثقة في مستقبل البلاد، تمثل عوامل أساسية لأي نهضة اقتصادية.. وعندما يؤمن المواطن بأن جهده سيؤتي ثماره، وأن موارده ستدار بصورة عادلة، فإنه يصبح أكثر استعداداً للمساهمة في عملية البناء والتنمية.
*لقد شهد العالم تجارب عديدة لدول استطاعت النهوض من تحت ركام الحروب والأزمات.. فدولة رواندا التي عانت من واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في التاريخ الحديث، تمكنت خلال سنوات قليلة من تحقيق معدلات نمو ملحوظة وتحولت إلى نموذج إفريقي في التنمية والإصلاح. كما استطاعت ماليزيا أن تنتقل من دولة نامية تعتمد على الموارد الأولية إلى اقتصاد متنوع ومتقدم بفضل الرؤية الواضحة والاستثمار في الإنسان والتعليم والإنتاج. وهناك العديد من الدول الأخرى التي واجهت ظروفاً صعبة لكنها لم تجعل من الأزمات سبباً للتراجع، بل حولتها إلى دافع للعمل والإنجاز.
*والدرس الأهم من هذه التجارب أن النجاح يبدأ بالإرادة الوطنية. فالحروب والدمار لم تكن نهاية تلك الدول، بل كانت بداية مرحلة جديدة من العمل والتخطيط والتضحية من أجل المستقبل. والسودان ليس أقل قدرة من غيره على تحقيق ذلك، بل يمتلك من المقومات والموارد والإمكانات ما يؤهله ليكون من الدول الرائدة إذا أحسن استثمارها.
*إن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز الخلافات الضيقة والتركيز على المصالح الوطنية العليا. فالتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد أكبر من أن تعالج بجهود فردية أو حلول مؤقتة. والمطلوب هو مشروع وطني شامل يضع الإنتاج والتنمية في مقدمة الأولويات، ويعمل على استنهاض طاقات الشعب السوداني وتوجيهها نحو البناء والإعمار.
*وفي الختام، فإن إنعاش الاقتصاد السوداني ليس حلماً بعيد المنال، بل هدف يمكن تحقيقه إذا توافرت الإرادة والعمل الجاد والتكاتف الوطني. إن السودان يملك من الثروات ما يجعل كثيراً من الدول تتطلع إليها، لكن الثروات وحدها لا تصنع التقدم ما لم تُستثمر بصورة صحيحة.. ومن هنا فإن مسؤولية النهوض تقع على الجميع؛ حكومةً ومواطنين ومؤسسات وقطاعاً خاصاً. وعندما نجعل الإنتاج شعاراً، والعمل قيمة، والوطن هدفاً، فإن السودان قادر على تجاوز أزماته الحالية والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، ليحتل المكانة التي يستحقها بين الأمم.