ليست كل والدة أما
فادية حسين البليبل – سوريا:
ليست كل والدة أمًا بالمعنى الذي تصنعه الأمومة من المنطق أن نقول: كل أم والدة، إذا قصدنا بالأم المرأة التي أنجبت ولدًا، ولكن ليس من الدقة أن نقول بالضرورة: كل والدة أم؛ لأن الولادة فعل بيولوجي، أما الأمومة فهي معنى أوسع، وقيمة أرفع، ورسالة لا تنتهي عند لحظة الإنجاب.
فالوالدة هي التي تمنح الحياة من جسدها، أما الأم فهي التي تمنح الحياة معناها.
قد تحمل المرأة جنينًا، وتضعه، فيثبت لها وصف الوالدة، لكن الأمومة الحقيقية تبدأ، في كثير من وجوهها، بعد الولادة: حين يبدأ العناء، ويبدأ السهر، وتبدأ المسؤولية، ويبدأ ذلك الطريق الطويل من الرعاية والتربية والتوجيه والتضحية.
ولذلك يمكن أن نقول: الولادة تمنح صلة الدم، أما الأمومة فتصنع صلة الروح.
فالقطط تلد، والكلاب تلد، وسائر الكائنات تتكاثر وتعتني بصغارها وفق غرائزها، والإنسان أيضًا يلد بحكم فطرته وطبيعته البيولوجية. لكن الأمومة الإنسانية ليست مجرد غريزة؛ إنها وعي ومسؤولية وضمير وتربية وإيثار.
ومن هنا نفهم علو منزلة الأم في الثقافة العربية والإسلامية. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟) فقال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك)
وليس المقصود من الحديث أن يكون تعريفًا لغويًا لكلمة (الأم)، وإنما هو بيان لعظيم منزلتها، ولما تتحمله من مشقة الحمل والولادة والرعاية والتربية، ولما تستحقه من البر وحسن الصحبة.
ولعل في المثل الشعبي ما يفتح بابًا لطيفًا للتأمل في الفرق بين الإنجاب والتربية.
يقال:
الأرض تربي حنطة وشعيرًا
والأرض هنا لا تختار ما ينبت فيها، ولا تميز بين هذا وذاك؛ فهي تستقبل البذرة، ثم ينزل عليها المطر، وتنبت ما أودع فيها من بذور.
فقد تخرج الأرض قمحًا، وقد تخرج شعيرًا، وقد يكون أحدهما صالحًا نافعًا، وقد يكون الآخر أقل نفعًا، ومع ذلك لا تُلام الأرض على طبيعة البذرة التي أودعت فيها.
وهكذا هي الولادة في جانب منها: استقبال البذرة وإنباتها، أما جودة الثمر فلا تتوقف على الإنبات وحده.
فكما تحتاج النبتة إلى تربة صالحة، وماء، وشمس، ورعاية، وتنقية من الآفات، يحتاج الطفل إلى أكثر من مجرد أن يولد؛ يحتاج إلى يد تربيه، وعقل يوجهه، وقلب يحتويه، وقدوة يتعلم منها، وبيئة تغرس فيه الخير
ومن هنا تبدأ الأمومة الحقيقية
الأمومة ليست أن تقولي: (هذا ابني)؛ فهذه صلة دم.
الأمومة أن يشعر الابن: (هذه أمي)؛ لأنها كانت له مأمنًا حين خاف، وملجأ حين ضاق، ويدًا تمتد إليه حين يسقط، وصوتًا يرشده حين يضل، وقلبًا يفرح لفرحه ويحزن لحزنه.
الأمومة أن تربي قبل أن تطلب، وأن تضحي قبل أن تنتظر المقابل، وأن تعطي قبل أن تسأل: ماذا أخذت؟
هي السهر حين ينام الجميع، والقلق حين يطمئن الآخرون، والدعاء حين تعجز اليد، والصبر حين تضيق النفس، والصفح حين يكون الغضب أسهل، والتوجيه حين يكون الصمت أكثر راحة.
وهي، فوق ذلك كله، أن تزرع في الطفل ما يبقى فيه بعد غيابها
أن تعلمه الصدق حين لا يراه أحد، والأمانة حين يستطيع الخيانة، والرحمة حين يملك القدرة على القسوة، والكرامة حين يكون التنازل أسهل، وأن تعلمه أن الإنسان لا يقاس بما يملك، وإنما بما يمنحه للآخرين.
لهذا فالأمومة ليست لقبًا يُمنح بمجرد الولادة، وإنما منزلة تُبنى يومًا بعد يوم
قد تلد المرأة طفلًا، لكن التربية وحدها هي التي تصنع الإنسان.
وقد تحمل امرأة طفلًا تسعة أشهر، لكنها قد لا تحمل مسؤوليته في قلبها العمر كله.
وفي المقابل، قد نجد امرأة لم تنجب، لكنها مارست من الأمومة ما يجعلها أمًا في وجدان من حولها؛ لأنها احتوت، ورعت، وضحت، وربت، وأعطت من قلبها ما لا تمنحه بعض الوالدات لأبنائهن.
وهنا ينبغي أن نفرق بين حقائق النسب وفضائل الأمومة؛ فليست المسألة إنكارًا لفضل الوالدة التي حملت وولدت، ولا انتقاصًا من حقها، وإنما هي محاولة لفهم معنى أعمق: أن الإنجاب بداية، وليس نهاية؛ وأن الأمومة الحقة مشروع حياة
ولذلك فليست كل والدة أمًا بالمعنى الكامل الذي تستحقه كلمة (أم)
فالوالدة قد تمنحك جسدك، أما الأم فتساعدك على بناء شخصيتك.
والوالدة قد تضعك في هذا العالم، أما الأم فتساعدك على أن تعرف كيف تعيش فيه.
والوالدة تمنحك الحياة، أما الأم فتعلّمك كيف تكون جديرًا بهذه الحياة
وقد يكون الفرق بينهما هو الفرق نفسه بين البذرة والثمرة.
فليست العبرة بمن ألقى البذرة في الأرض، وإنما بمن أحسن رعايتها حتى صارت شجرة مثمرة.
وليس كل من أنجب إنسانًا قد نجح في تربيته، كما أن نجاح الابن أو فشله ليس دائمًا مرآة كاملة لأمه؛ فالتربية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع والبيئة والظروف والاختيارات الشخصية.
ومع ذلك تبقى الأم، في السنوات الأولى من العمر، صاحبة الأثر الأعمق والأقرب؛ لأنها أول عالم يفتح الطفل عينيه عليه، وأول صوت يألفه، وأول يد تمنحه الأمان، وأول نموذج يتعلم منه معنى الحب والخوف والثقة والرحمة.
ولهذا كانت الأمومة فضيلة قبل أن تكون صفة، ومسؤولية قبل أن تكون لقبًا، وسلوكًا قبل أن تكون اسمًا.
وإذا كانت الأرض لا تسأل السماء ما الذي ستنبت، فإن الإنسان لا ينبغي أن يكتفي بالسؤال: «من أنجب هذا الطفل؟»، بل الأهم أن نسأل: من رباه؟ من علّمه؟ من هذّبه؟ من غرس فيه القيم؟ ومن حمل همه حين كان عاجزًا عن حمل نفسه؟
هناك فقط نبدأ بفهم الفرق بين الوالدة والأم
فالولادة لحظة،
أما الأمومة فعمر كامل.
الولادة تمنحك اسمًا في سجل النسب،
أما الأمومة فتنقش اسمها في سجل الروح.
والوالدة قد تكون سبب وجودك،
أما الأم فهي، في أسمى صورها، شريكة في صناعة الإنسان الذي تصير إليه.