آخر الأخبار

حينما تسكب الغيوم اللطف

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*تحجب الغيوم والسحب أشعة الشمس وحرارتها، فتضفي شعوراً بالراحة لمن يسير في وهجها الساطع الحارق،  وتلقي بظلٍ ظليل يحيط به من كل صوب فيضحى في مأمن مما قد يلم به من أذى واسع المجال.

*ليس ذلك فحسب، فمن الأشياء الأخرى الرائعة المقترنة بالغيوم، هطولها المدرار على الأودية والصحاري وغير ذلك من بقاع الأرض حيثما كانت وكان حالها، فتحيل كل وادٍ غير ذي زرع كالح الوجه، إلى بقاع مخضرة نضرة  معشوشبة دانية قطوفها، فهكذا تكون الديمة المنقذ لذلك الثرى القاحل المحتضر  فكما قال أبوتمام:

ديمة سمحة القياد سكوب

مستغيثٌ بها الثرى المكروب

*لا يقتصر اللطف على وجه الأرض فقط على السحب والغمام والديمة ذات اللطف البائن ولايخفى على عين، فكذلك يمتد ذلك البهاء لينسج خيوطاً مخملية زاهية في بواطن البشر ممن غرست الطبيعة في دواخلهم ذلك السلوك، فباتوا لطفاء رفقاء عطوفين مع بني جلدتهم، بل ومع أليفات الحيوانات بكافة أصنافها.

*يرسم اللطف صورة صبوحة على المرء الذي يحمل صفة اللطافة، فيتجلى ذلك منذ البدء على محياه، حيث يعلو وجهه البِشر، ويضع الصفاء بصماته على دواخله، وتصبح النوايا الطيبة وشاحاً تتدثر بها بواطنه، فينعكس ذلك على سلوكه في المجتمع المحيط به أينما حلّ وارتحل.

*ينثر الفرد ذو التعامل المفعم باللطافة، والسلوك المُحلى ببهار التهذيب والرقي، بذور الود والتآلف والمحبة والنقاء على كل أرض يطأها بقدمه، فتنمو وتزدهر أواصر الصلات النبيلة بينه وبين من جعلوا تلك الأراضي معاشاً لهم.

*اللطف الذي يكون من شيم المرء، وينعته به الغير، من الصفات التي تكون ملازمة لمثل ذلك الفرد على الدوام، وهو وسام مُقدر يحمله، وقلادة يطوق بها عنقه.

*يسهل التعامل مع لطفاء القوم أينما كانوا، وتنقشع كل السحابات المحملة بكل ماهو يتسبب في الجفاء والتباعد، فتظل الأريحية هي العامل المشترك الجامع بين أصر ذلك التعامل.

*ومن ثمّ يتنفس الجميع شهيقاً نقياً لاغبار فيه، حينئذ يفترش الكل أرضاً مخضبة بالترفع عن الدنايا، مزركشة بألوان الإحترام، مضيئة بروعة السلوك الذي لاحدود له من الروعة.

*فينسج التآلف والوئام عشاً وحصناً منيعاً من الترابط، لا تهب به أعاصير رياح التفكك، ولا تهدمه زلازل التبعثر، ولا يتأثر بسيول الخلافات

فهكذا الدنيا، لاتطرق السعادة وراحة البال أبواب من عليها، مالم تكن هناك غيوم من اللطف والصفاء تهمي بغزارة في سرائرهم.

نهاية المداد:

الصبر لا يعني التحمل سلبياً، بل يعني أن يكون المرء متحلّياً ببعد نظر يكفي لأن يثق بالنتيجة النهائية التي ستصل إليها عملية ما.

(إليف شافاق)