آخر الأخبار

ثقافة فن النجاة على حافة الخطاب.. كيف تصنع الأنظمة معارضتها الآمنة؟

 

  • قراءة في آلية إنتاج الصوت النقدي المسموح به داخل المشهد العام

د. رضا عادل فاضل – مصر:

لا تُدار المساحات الإعلامية الكبرى بمنطق الحرية المطلقة ولا بمنطق القمع الكامل، بل بمنطق أدق وأكثر تعقيدًا، هو منطق الهندسة.

فالجهات التي تمتلك القدرة على منح المنابر تدرك أن الصمت التام يُنتج شكًا أكبر مما ينتجه الكلام المضبوط، ولذلك فإنها لا تسعى لإسكات كل الأصوات، بل لصناعة أصوات تبدو معارضة دون أن تكون خطرة.

هذا هو جوهر الظاهرة التي يمكن تسميتها بـالمعارضة الوظيفية، وهي حالة يشغلها عادة صوت يمتلك رأسمالًا رمزيًا ومعرفيًا واضحًا، يتحدث بلغة النخبة، ويوظف أدوات التحليل والنقد بمهارة، لكنه يمارس ذلك كله داخل حدود مرسومة بعناية.

لكن ثمة فارق جوهري بين من ينتقد النتائج ومن يسأل عن الأسباب، وبين من يناقش الأداء ومن يفحص البنية التي أنتجت هذا الأداء. الصوت الذي يُسمح له بالبقاء طويلًا في المشهد العام غالبًا ما يجيد البقاء في الخانة الأولى، فهو ينتقد بحدّة، ويستخدم مفردات قوية أحيانًا، لكنه نادرًا ما يفتح الأسئلة التي تمس جذور توزيع القرار والثروة والسلطة.

هذه ليست بالضرورة صفقة معلنة ولا اتفاقًا مكتوبًا، بل هي في الغالب نتاج تراكم من الخبرة والحساسية السياسية، إدراك دقيق لما يمكن قوله وما يجب تجنبه، ومعرفة عملية بموقع الخط الفاصل بين النقد المسموح والاختراق الممنوع.

فالمفارقة أن وجود صوت نقدي محسوب يخدم استقرار المنظومة أكثر مما يهددها، فالمؤيد الكامل يفقد مصداقيته أمام الجمهور بسرعة، بينما الناقد الذي يتوقف عند حدود معينة يمنح المشهد مصداقية وتنوعًا ظاهريين. وجوده يسمح للجمهور بالشعور بأن هناك من يعبّر عن غضبه، ويسمح للمنظومة بتقديم نفسها للخارج بوصفها فضاءً يحتمل الاختلاف.

بهذا المعنى، يتحول النقد من أداة تغيير إلى أداة تنفيس، وتصبح وظيفته إدارة الاحتقان لا معالجة أسبابه، يمكن للشاشات أن تمتلئ بالانتقادات الحادة، وتظل قواعد اللعبة كما هي دون أن تُمس، لأن الطاقة الاحتجاجية استُوعبت داخل الخطاب نفسه بدل أن تتحول إلى ضغط فعلي خارجه.

فحين ترتفع نبرة صوت محسوب فجأة، أو حين يقترب من مناطق كان يتجنبها سابقًا، فإن ذلك يستحق قراءة متأنية بعيدًا عن التسرع في الاستنتاج، فالتحول في الخطاب قد يعكس عدة احتمالات في آن واحد: إعادة تموضع استباقية من فاعل يقرأ تغير موازين القوى ولا يريد أن يوصف لاحقًا بالتماهي الكامل مع مرحلة انتهت صلاحيتها، أو هامشًا موسّعًا تمنحه المنظومة نفسها لامتصاص احتقان متصاعد، أو انعكاسًا لخلافات داخل دوائر القرار لم تصل بعد إلى العلن.

القارئ الحصيف لا يحتاج إلى معرفة كل التفاصيل ليدرك أن تغيرًا ما يجري، فحركة الخيط كافية لفهم أن هناك يدًا تحرك المشهد، حتى لو تعذر تحديد ملامحها بدقة.

فالحكم على أي صوت إعلامي لا ينبغي أن يقوم على حدة لهجته أو جرأة عباراته، بل على الأسئلة التي يرفض طرحها والأبواب التي يتجنب الاقتراب منها، فالمقياس الحقيقي للاستقلالية ليس ارتفاع الصوت، بل استعداده لتحمل كلفة تجاوز الخط الذي رسمته له اللعبة نفسها.