
أخلاقيات صُنّاع المحتوى… بين الإبهار والمسؤولية
درب التبانة
د. الحسين تاج الدين احمد
*في زمن المنصات الرقمية أصبح صانع المحتوى لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الرأي العام ولم يعد الأمر مجرد مشاركة عابرة بل تحول إلى مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تفرض نفسها بقوة فالمحتوى الذي يُقدَّم اليوم يصل إلى شرائح واسعة ومتنوعة من المجتمع بين غني وفقير وبين صغير وكبير وبين مثقف وبسيط وهذا التنوع يضع على عاتق صانع المحتوى واجبًا مضاعفًا في مراعاة المتلقين وعدم الاكتفاء بالسعي وراء المشاهدات أو الأرباح فحين يعرض أحدهم وجبة فاخرة أو رحلة باهظة الثمن قد يثير إعجاب البعض لكنه في الوقت ذاته قد يترك أثرًا نفسيًا سلبيًا لدى من لا يستطيع تحمّل هذه التكاليف وهنا يظهر البعد الأخلاقي الذي يجب أن يوازن بين الإبداع والإبهار وبين المسؤولية والواقعية فالمحتوى الجيد ليس ما يبهر العين فقط بل ما يراعي الإنسان وظروفه ويقدم بدائل وحلولًا تناسب مختلف الفئات ويعزز قيم المشاركة والوعي بدلًا من تكريس الفجوة الطبقية إن أخلاقيات صناعة المحتوى اليوم تقف عند مفترق طرق بين ضغط السوق ووعي الجمهور والاتجاه الصحيح هو نحو بناء مدونات سلوك ومعايير واضحة تجعل من المحتوى الرقمي أداة لبناء الإنسان لا وسيلة لإحباطه أو إقصائه فالمستقبل لن يقبل بصانع محتوى يلهث وراء الأرقام فقط بل سيحتفي بمن يوازن بين الإبداع والمسؤولية ويجعل من رسالته إضافة حقيقية لحياة الناس اليومية.
*على المتلقّي أن يتعامل مع المحتوى المقدم بوعي ونقد، فلا يكتفي باستقباله بشكل سلبي بل يسأل نفسه دائمًا عن مدى ملاءمة ما يشاهده لواقعه وظروفه، وأن يوازن بين الإلهام والواقع فيستفيد من الأفكار المعروضة ويبحث عن بدائل تناسب إمكانياته دون أن يسمح للإحباط بالتسلل إليه، كما ينبغي أن يتذكّر أن كثيرًا من المحتوى موجّه للعرض والإبهار وليس بالضرورة ليعكس حياة الناس اليومية، لذلك من الأفضل أن يختار ما يضيف له قيمة حقيقية ويبتعد عن المقارنات التي قد تخلق شعورًا بالنقص، وأن ينوّع مصادر متابعته بين الترفيهي والتعليمي والعملي، وألا يتردد في المشاركة الواعية عبر النقاش أو التعليق البنّاء إذا شعر بتأثير سلبي، فبهذا يصبح المحتوى مصدر إلهام وتعلّم لا مصدر ضغط أو إحباط. وفي النهاية يبقى المحتوى الأخلاقي واسع الأفق، ممتدًا في تأثيره، تمامًا كما يمتد نور درب التبانة في سماء لا حدود لها.