
الفاتح عروة عام مضى والذكرى حاضرة
أنس الطيب الجيلاني
*أحيت شركة زين الذكرى الأولى لرحيل مديرها العام الفريق طيار والسفير الفاتح محمد أحمد عروة ،،حيث نعى الناعي في يوم الأربعاء العاشر من أبريل ٢٠٢٥ وفاته عن عمر ناهز ٧٦ عاما ..ولعله من الصعوبة بمكان الإحاطة في مقال بشخصية الفاتح عروة الفذة متعددة المواهب والتي تقلبت بين السلك العسكري والأمني والدبلوماسي ومدير كبرى الشركات في القطاع الخاص وقد حقق في كل هذه المسارات نجاحات وصيتا سارت بذكره الركبان.
*لقد شاءت الأقدار أن أحظى بالعمل تحت إمرة السفير الفاتح عروة ببعثة السودان الدائمة بنيويورك وكنت حينها في درجة السكرتير الأول وسأعود لذلك لاحقا،، غير أن معرفتي الأولى بالأخ السفير الفاتح تعود لبداية التسعينات وعقب سقوط نظام منغستو هيلامريام ووصول قادة الثورة والتغيير الإثيوبي من السودان بطائرة كان يقودها الفاتح عروة ضابط الاستخبارات السودانية.
*والذي كان يرعى ويشرف مع صديقه اللواء امن ومدير جهاز المخابرات الخارجية السفير المرحوم عثمان السيد ، سفير السودان الأسبق بإثيوبيا ، ملف المعارضة الاثيوبية ضد نظام منغستو المعادي للسودان.كان السفير عثمان السيد السفير باديس ابابا ونائبه السفير عبدالمحمود عبدالحليم وكان وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم بدرجة الوزير المفوض حينها ومعه محمد يوسف السلطان واذكر في الملحقية الفنية المرحوم عزالدين جادكريم ونائبه المقدم ميرغني ادريس.
*وهو ذات سعادة الفريق أول ركن ميرغني ادريس مدير عام منظومة الصناعات الدفاعية حاليا، وفي مرحلة لاحقة انضم العقيد عثمان عبدالله بوستف للبعثة في اثيوبيا وذلك كان العصر الذهبي للعلاقات السودانية الاثيوبية وقوة ضاربة تركت آثارها لوقت طويل في مسيرة العلاقات مع الهضبة،، كنت وقتها في بداية السلك الدبلوماسي بدرجة السكرتير الثالث في العام ١٩٩١ ، وكنت مهتما بدراسات القرن الأفريقي وأعددت بحوثا لوزارة الخارجية ووضع بعضها في مكتبة الوزارة عن الصراعات في القرن الأفريقي وتأثيراتها على السودان وغيرها من البحوث التي كانت لزاما على الدبلوماسي اعدادها كشرط للترقي للدرجة الأعلى وكان الفاتح عروة من اكثر المهتمين بهذه الدراسات وقد أنشأ لها مركزا للدراسات أسماه مركز سلام لدراسات القرن الأفريقي قد لا يعلم الكثيرون ذلك وكان مقره الرياض ويشرف عليه مع صديقه الأصغر والصحفي المشهور صالح محمد علي ، حيث استفدت كثيرا من نصائحه وحديثه ومرجعيته في شأن القرن الأفريقي والقوميات التي لديها تأثيرات على المشهد السياسي والتضاريس السياسية والاجتماعية للقرن شاءت الأقدار أن أبدأ مسيرتي المهنية وأصقل تجربتي في القرن الأفريقي فعملت سكرتيرا ثالثا بمقديشو -الصومال في أحلك ظروف الحرب بعد سقوط نظام سياد بري ودخول قوات المارينز للصومال في عملية- استعادة الأمل- في عهد الرئيس بيل كلينتون ثم العمل من بعد ذلك على فترتين في اديس أبابا الأولى تحت رئاسة وزير الخارجية الحالي وسفير السودان الأسبق باديس أبابا السفير محي الدين سالم ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٠، وقد كان يتردد علينا الفاتح عروة كثيرا في الهضبة خلال هذه الفترة اما مرسلا برسائل رئاسية من القيادة السودانية او مطلوبا للتشاور والرأي من صديقه الرئيس ملس ،ثم عدت للمرة الثانية للهضبة الإثيوبية في العام ٢٠١٩ كسفير وقائم بالاعمال بأديس ابابا، وقد أمتدت علاقة الفاتح عروة بملس زيناوي وأسرته ورفاقه طوال فترة حكم ملس واستمرت لما بعد وفاة الرئيس ملس زيناوي ،،فقد شهدت في اديس أبابا مدى الحفاوة وحرارة الاستقبال الذي يحظى به الفاتح عروة من صديقه ملس والقيادات الاثيوبية خاصة من قومية التغراي الحاكمة وقتها عند زيارته لاديس أبابا ، كما أن أسرة الرئيس ملس عند زيارتها لنيويورك تعودت ان لا تنزل عند السفير الإثيوبي بل تنزل في مقر إقامة السفير الفاتح عروة ولعل هذا يعكس عمق ودفء هذه العلاقة التي تجذرت بين الأسرتين.
*شهدت سيرة الفاتح عروة محطات كبيرة وهامة شكلت شخصيته العامة ومدى تأثيره على الاحداث وصناعتها وقد سجل الفقيد في قناة أثير بودكاست حلقات باسم الصندوق الأسود لضابط استخبارات عربي والتي حصدت ملايين المشاهدات في الأسبوع الأول من نشرها والتي أشار فيها بأنه يريد أن يسجل هذه الشهادات للتاريخ وقد كنت متواصلا مع السفير الفاتح وهو على فراش المرض ومازلت احتفظ برسائله بهاتفي ،،قلت له في بعض المعلومات التي ذكرتها في البودكاست ما كان يجب أن تقال في هذا الوقت ، فكتب لي أنا عارف هناك البعض لا يعجبهم هذا الكلام لكن نحن لازم نملك للأجيال القادمة كل الحكايات والتفاصيل قناعتي التي لا تتزحزح حيجي جيل جديد وسيستفيد من هذه التجارب.
*ولعل من أهم المحطات في حياة الراحل هي محطة ترحيل الفلاشا اليهود لاسرائيل ودوره في العمليات في جنوب السودان وملف أسامة بن لادن ومفاوضاته مع الأمريكان بشأن تسليمه وقد تطرق لذلك رتشارد مينيتر في كتابه عن فشل إدارة كلنتون في فرصة القبض على اسامة بن لادن تحت عنوان
losing bin Ladin
وصلنا نيويورك في العام ٢٠٠٠ قبل عام من هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠٠ على مبنى مركز التجارة العالمي التي قلبت موازين العالم وفرضت في أعقابها ما يعرف بالنظام العالمي
الجديد
وتم نقل السفير عمر مانيس كذلك في نفس الوقت كنائب لرئيس البعثة ، وجدت في نيويورك إلى جانب السفير الفاتح عروة المندوب الدائم فريقا متجانسا وثلة من الدبلوماسيين الاكفاء في درجات وظيفية متفاوتة منهم السفير مبارك رحمة الله ودفع الله الحاج علي سفيرنا الحالي بالرياض ، والسفير عمر دهب، والسفير طارق علي بخيت مساعد الامين العام لمنظمة التعاون الإسلامي بجده، والسفير صديق محمد عبدالله سفيرنا الحالي ببودابست والسفيرة إلهام ابراهيم سفيرتنا الحالية ببرلين ، وقد كنت أصغر الدبلوماسيين سنا في البعثة لحين التحاق السكرتير الثاني حسن حامد بالبعثة وهو سفيرنا الحالي والمندوب الدائم بجنيف،، كما التحق بالبعثة في أوقات متفاوتة أخرى السفير نصرالدين والي والسفير مجدي محمد طه، وكانا بدرجة الوزير المفوض.
*شاءت الأقدار أن يتجدد اللقاء مجددا في حاضرة الامم المتحدة نيويورك مع السفير الفاتح والعمل مرؤوسا معه وتحت امرته هذه المرة ،،فقد كانت من أجمل الأيام والتجارب التي أعتز بها في مسيرتي المهنية،والتي شكلت لي إضافات كبيرة ونهلت منها كثيرا من كاريزما الفاتح القيادية الطاغية و أعطاني الفاتح مفاتيح القيادي الناجح الذي يزرع الثقة في النفوس وتحمل المسئولية بشجاعة وتحمل التبعات مهما كانت نتائجها نجاحا أم فشلا،، أذكر أن من إبداعاته في البعثة أن منح كل الدبلوماسيين جهاز موبايل لسهولة التواصل معه والموبايل نفسه كان ظاهرة حديثة في تلك الحقبة من الزمان وكان يتابع الدبلوماسي في الاجتماعات لحظة بلحظة ويطلب الاتصال به في أي وقت متى شعر الدبلوماسي بأهمية التشاور أو أخذ التعليمات في اللحظات الحرجة من المداولات والمفاوضات الشاقة والتي تستمر حتى منتصف الليل واحيانا في الساعات الأولى من الصباح ،،وإذا لم يشأ الظرف بتلقي المحادثة فتعليماته المستديمة أن تصرف وفقا للاستراتيجية العامة للدولة .كان الفاتح وقاد الذهن وذكيا ولماحا لا يحتاج منك لكثير شرح ويفهمها كما يقولون طايرة،، وكان مجيدا وبارعا في استخدام التكنلوجيا الحديثة وعلوم الكمبيوتر وأنظمة الاتصالات التي كان استاذه فيها المهندس عبدالقادر محجوب موظف النظم الحديثة وزميلنا بالبعثة والذي يعمل الآن مهندسا للاتصالات بالامم المتحدة ، وكان الفاتح قد اصطحبه للعمل بزين لمعرفته العميقة بتأهيل عبدالقادر محجوب العلمي حيث كلفه بمهمام إدارة أمن المعلومات والاتصال بشركة زين ،كما كان عروة مؤمنا بالقيادة الجماعية وسماع صوت الدبلوماسي الصغير صاحب الملف قبل الاستماع لكبار الدبلوماسيين ،،كان يقول لنا قاتلوا في كل الجبهات الساخنة في أضابير الامم المتحدة ولجانها وأسلوب عملها المعقد وإن اخطأت فأنا المسئول عن هذا الخطأ أمام القيادة وليس الدبلوماسي ، ولعمري هذه صفة القيادي الذي يقاتل دون جنوده ويحميهم في المعارك .الحديث عن مناقب السفير والفريق عروة كثيرة ويكفيه شرفا وفخرا أن الجالية السودانية في كل نيويورك الكبرى ما زالت تفتقده وتبكيه فقد ألف بين قلوب أبناء السودان واحتواهم واتعب من أتى بعده .كما افتقد السودان أحد أبنائه البررة المخلصين للوطن.
*غير أن الحديث لا يكتمل دون ذكر تلك المرأة العظيمة التي كانت وراء نجاحات الفاتح عروة رفيقة دربه الاخت الفاضلة كوثر ام المجتبى فقد كانت بحق نعم المرأة خلقا وتقوى وصلاحا وبساطة ، نسأل الله أن ينزل شآبيب الرحمة عليك فهذه بعض كليمات في حقك الأب والاخ والصديق الفاتح عروة وانت في مرقدك الأبدي.