آخر الأخبار

في سيرة الشيخ الطيب الجد

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبلٍ واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

*في الأزمنة التي تضطرب فيها المعايير، وتعلو فيها الأصوات المتعارضة، تبرز قاماتٌ لا تُقاس بحجم حضورها اللحظي، بل بعمق أثرها وصدق رؤيتها.. ومن هذه القامات، يلوح إسم الشيخ الطيب الجد، بوصفه رجلًا حمل همّ الوطن في قلبه، واستبطن بحكمته ما عجزت عنه كثيرٌ من الحسابات الضيقة.

*لم تكن سيرته مجرد انتقالٍ بين مواقع، بل كانت مسارًا متصاعدًا نحو المعنى؛ معنى أن يكون الإنسان منحازًا للناس، عارفًا بثقل المسؤولية، ومؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قد تسبق الفعل، وقد تفتح له الطريق. نشأ في بيئةٍ تُعلي من شأن العلم وتُربّي على خدمة الخلق، فشبّ وهو يرى في الإصلاح رسالة، لا موقفًا عابرًا.

 

*وفي مواقفه، تجلّى اتزانٌ نادر؛ فلا هو بالمتشدد الذي يغلق أبواب الرحمة، ولا بالمتساهل الذي يفرّط في الحق، بل كان أقرب إلى روح العدالة التي ترى الإنسان قبل القضية، وتستبصر المآلات قبل الأحكام.

*غير أن لحظة تجلّيه الأكبر، كانت حين استشعر مبكرًا ما يتجه إليه الوطن من انقسامٍ خطير، فبادر بإطلاق مبادرة نداء أهل السودان للوفاق الوطني، تلك الدعوة الصادقة التي سعت إلى جمع الصف، ورأب الصدع، وتقديم مصلحة السودان على ما سواها. لم تكن المبادرة خطابًا سياسيًا تقليديًا، بل كانت تعبيرًا عن ضميرٍ حي، يخاف على البلاد من منزلقاتٍ يعلم عواقبها.

*وقد كان لي شرف اللقاء به ضمن وفدٍ من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، حيث جلسنا إليه في حوارٍ إذاعي مطوّل..  ضم الزملاء الأستاذ مصطفى جابر تكروني والزميل أحمد يسن وعدد من الزملاء كان حديثه يومها هادئًا في نبرته، عميقًا في معناه، يفيض بروحٍ جامعة، لا تعرف الإقصاء، ولا تستدعي الفرقة. لم يكن يتحدث بلغة صراع، بل بلغة وطنٍ يتسع للجميع. كان واضحًا في دعوته إلى وحدة الصف، وصريحًا في تحذيره من مغبة الانزلاق نحو الفوضى.

*تحدّث كمن يرى ما لا يُرى، ويقرأ ما بين السطور، فبدت كلماته – في ذلك الحين حيث( أطلق لخليفة الصوفي، الطيب الجد ود بدر، مبادرة نداء أهل السودان للوفاق الوطني) في أغسطس 2022. هدفت المبادرة إلى جمع الصف الوطني وتجاوز حالة الانسداد السياسي عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021، وانعقد مؤتمرها الرئيسي في أغسطس 2022 بمشاركة واسعة من قوى سياسية وطرق صوفية وإدارات أهلية.)  كأنها نداء استباقي لتفادي ما وقع لاحقًا.جراء تحريض القوى السياسية للمتمرد( حميدتي ) وقاد( مليشياته المتمردة الارهابيه الدعم السريع)  على الشرعية الدستورية ممثلة في القوات المسلحة و اشتعلت الحرب، ومضت في طريقها القاسي، أدرك كثيرون أن تلك الدعوة لم تكن ترفًا فكريًا، بل كانت ضرورة وطنية لم تجد من يصغي إليها بما يكفي.

*لقد جسّد الشيخ الطيب الجد في مبادرته معنى أن يكون العالم حاضرًا في قضايا وطنه، لا ينعزل عنها، ولا يساوم عليها. وكان يرى أن وحدة الصف ليست شعارًا، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، وأن التفريط فيها يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

*واليوم، بعد أن التهمت الحرب كثيرًا من ملامح الجمال في حياتنا، وتبددت فرصٌ كانت ممكنة، يبدو استحضار تلك المبادرات واجبًا، لا من باب الرثاء وحده، بل من باب التعلّم. فالأمم التي لا تُصغي لحكمائها، تدفع ثمن ذلك مضاعفًا.

*ومع ذلك، يظل في سيرته ما يبعث على الأمل؛ فقد كان قريبًا من الناس، بسيطًا في حضوره، عميقًا في أثره، لا تفصله عنهم حواجز، ولا تُغيّبه عنهم مشاغل. كان يرى في خدمتهم طريقًا، وفي قضاياهم أولوية، فاستحق أن يكون حاضرًا في وجدانهم، حتى بعد رحيله.

*رحم الله الشيخ الطيب الجد رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من سعيٍ في الإصلاح، وجمعٍ للكلمة، نورًا يضيء له في قبره، ورفعةً في درجاته.

*اللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل ما زرعه من خيرٍ باقياً أثره في الناس، ممتدًا نفعه في الأجيال.

*وسيظل ذكره شاهدًا على أن في هذا الوطن رجالًا إذا قالوا صدقوا، وإذا دعوا جمعوا، وإذا رحلوا تركوا من المعاني ما لا يزول.