
الحوار المنشود.. هل حان وقت أن يجلس السودانيون إلى طاولة الوطن؟ (2-5)
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم يكن خطاب الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش، خطاباً عسكرياً خالصاً كما قد يوحي عنوان المناسبة، وإنما حمل في أحد أهم وجوهه رسالة سياسية واضحة، تمثلت في الإعلان عن بدء حوار مع القوى الوطنية السودانية، بهدف إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، مع تأكيد أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار ولا المحددة لأجندته أو مخرجاته، احتراماً لاستقلاليته. وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل الخطاب جديراً بالقراءة خارج سياق الاحتفال بعيد الجيش؛ لأنها تفتح باباً طال انتظاره، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام الجميع سؤالاً أكبر: أي حوار نريد؟ ومن يشارك فيه؟ وما الذي نريد أن نصل إليه؟.
*الرئيس البرهان قال إن مجموعة وطنية من أبناء السودان تداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة الحوار السوداني، وإن الحوار ينبغي أن يكون في فضاء عام مفتوح يتيح للمجتمع إبداء الرأي والنقد والتأييد دون خوف أو تضييق، كما أعلن وقف الإجراءات القانونية في مواجهة المشاركين في الحوار، موضحاً أن ذلك لا يمثل عفواً، وإنما حصانة أو وقفاً مؤقتاً للإجراءات خلال المشاركة في الحوار.. هذه اللغة، إذا أُخذت بمعناها السياسي لا الدعائي، يمكن أن تمثل تحولاً مهماً في المشهد السوداني. فالحوار الحقيقي لا يبدأ من الاتفاق على النتائج، وإنما من الاتفاق على قواعد اللعبة.. وليس المطلوب أن يجلس السودانيون حول طاولة واحدة لأنهم متفقون، بل لأنهم مختلفون، ولأن استمرار الاختلاف عبر البندقية لم يعد ينتج إلا مزيداً من الدم والخراب والنزوح وتآكل الدولة.
*لكن المشكلة أن كلمة (الحوار) أصبحت في السودان من أكثر الكلمات استهلاكاً وأقلها ثقة.. فقد جُرّبت الحوارات والمؤتمرات والموائد المستديرة والمبادرات والوساطات، وانتهى كثير منها إلى وثائق جميلة على الورق، لكنها لم تستطع منع الانقلاب، ولا الحرب، ولا تفكك الثقة بين القوى السياسية والمكونات العسكرية والمدنية.. ولذلك فإن الإعلان عن حوار جديد لا يكفي وحده لإقناع السودانيين.. المطلوب أن يكون مختلفاً في منهجه، وفي أطرافه، وفي ضماناته، وفي قدرته على تحويل مخرجاته إلى واقع.. وهنا تظهر أهمية الاستماع إلى المعارضين للحوار بصيغته التي طرحها البرهان، لا باعتبارهم خصوماً يجب إسكاتهم، وإنما باعتبارهم جزءاً من السؤال الوطني. فقد وصف بابكر فيصل، رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في تحالف (صمود)، دعوة الرئيس البرهان للحوار بأنها (زائفة وغير حقيقية)، حسب زعمه ورأى أنها قد تمنح الجيش شرعية للاستمرار في الحكم، وتقطع الطريق أمام عملية سياسية تخاطب جذور الأزمة. وفي المقابل، طرح فيصل تصوراً مختلفاً للحوار، يقوم على عملية سياسية شاملة تضم القوى المدنية، بما فيها القوى المؤيدة للجيش والدعم السريع، مع استثناء المؤتمر الوطني، وأن يقتصر دور الجيش والدعم السريع على التفاوض بشأن الهدنة ووقف إطلاق النار، ثم تنطلق العملية السياسية المدنية.
*هذا الموقف، حتى لمن يختلف معه، ينبغي ألا يُقابل بالرفض المطلق؛ لأنه يكشف جوهر الخلاف الحقيقي حول الحوار: هل يكون الحوار امتداداً للسلطة القائمة، أم مدخلاً لإعادة تأسيس السلطة؟ هل الهدف إشراك قوى سياسية في مؤسسات الحكم القائمة، أم الاتفاق أولاً على شكل الدولة ومستقبل الانتقال والحكم المدني؟ وهل الحوار وسيلة لإنهاء الحرب فقط، أم وسيلة لإعادة بناء العقد السياسي والاجتماعي السوداني؟ أما خالد عمر يوسف (خالد سلك)، فقد ظل أكثر تشدداً في مسألة مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في العملية السياسية.على حد زعمه وفي موقف حديث، أكد تمسكه بعزل المؤتمر الوطني سياسياً، ورأى أن إشراكه ينسف الرواية التي حملته مسؤولية أساسية عن الحرب حسبما يعتقد ، وأن إنهاء الحرب وبناء الدولة يتطلبان تفكيك نفوذه داخل مؤسسات الدولة وعدم السماح له بالعودة إلى المشهد السياسي.. وفي مواقف أخرى، دعا سلك إلى حوار وطني شامل يوقف الحرب ويقود إلى سلام دائم، مع تأكيده أن الحل النهائي ينبغي أن يكون سودانياً، وأن المجتمع الدولي يمكن أن يساعد في تيسير الحوار ومعالجة الوضع الإنساني دون أن يفرض حلاً على السودانيين.
*وهنا ينبغي التوقف عند مفارقة مهمة: إذا كان المختلفون يتفقون على أن السودان يحتاج إلى حوار، فإن الخلاف الحقيقي ليس حول مبدأ الحوار، وإنما حول (من يحاور من؟) و(على ماذا؟) و(بأي شروط؟) و(من يدير الحوار؟)
وهذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً.. فإذا كان الحوار سودانياً، فيجب أن يكون سودانياً فعلاً، لا أن يكون سودانياً في الاسم وخارجياً في التصميم والتمويل والأجندة. وإذا كان مستقلاً، كما قال الرئيس البرهان، فعليه أن يثبت استقلاله عملياً، لا أن يكتفي بالإعلان عنه. وإذا كانت الدولة ليست الجهة المنظمة ولا المحددة للأجندة والمخرجات، فهذه نقطة إيجابية ينبغي البناء عليها، لكن المطلوب هو تحويلها إلى ضمانات واضحة تجعل جميع الأطراف مطمئنة إلى أن نتائج الحوار لن تُكتب مسبقاً
*والحوار المنشود لا يمكن أن يكون حوار محاصصة على المناصب.. السودان لا يحتاج إلى إنتاج حكومة جديدة بالطريقة القديمة، ثم انتظار حرب جديدة بعد سنوات. السودان يحتاج إلى اتفاق على قواعد الدولة قبل الاتفاق على شاغلي كراسي الدولة.. وهنا تبرز قضية الجيش والقوات النظامية.. لا يمكن أن يكون مستقبل السودان مستقراً في ظل تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة.. وفي الوقت نفسه، لا يمكن معالجة هذه القضية بالشعارات.. المطلوب مسار واضح لإقامة جيش وطني مهني واحد، يخضع للسلطة المدنية الدستورية، ويحمي البلاد ولا يحكمها، مع معالجة قضية القوات التي حملت السلاح خارج المؤسسة العسكرية وفق ترتيبات قانونية وأمنية متفق عليها. والحوار الذي يتجاوز هذه القضية إنما يؤجل الأزمة ولا يحلها.
*واللافت أن خطاب الفريق أول ركن البرهان نفسه وضع قضية حصر السلاح في إطار أساسي للسلام، وهو أمر يجعل الحوار أكثر ارتباطاً بالواقع؛ فالسياسة لا تستطيع أن تعيش طويلاً فوق دولة متعددة الجيوش.. لكن في المقابل، فإن القوى المدنية المعارضة للحوار بصيغته الراهنة تطرح سؤالاً مشروعاً حول السلطة المدنية ودور المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة.. وإذا كانت هذه القوى تخشى أن يتحول الحوار إلى وسيلة لمنح الشرعية لحكم عسكري طويل، فإن الرد الأقوى عليها ليس التخوين، وإنما تقديم ضمانات واضحة: ما هي مدة المرحلة الانتقالية؟ من يحكم خلالها؟ ما حدود صلاحيات المؤسسة العسكرية؟ متى تذهب البلاد إلى انتخابات حرة؟ وما الضمانات التي تمنع أي طرف من الانقلاب على الاتفاق؟.
*ومن هنا يمكن القول إن الحوار المنشود ينبغي أن يختلف عن الحوارات السابقة في نقطة جوهرية: أن يكون حواراً على المستقبل، لا حواراً على الماضي وحده.. نعم، لا يمكن تجاهل جرائم الحرب والانتهاكات، ولا يمكن بناء السلام على النسيان.. ولكن العدالة والمحاسبة يجب أن تسيرا بالتوازي مع عملية السلام، لا أن تتحولا إلى ذريعة لإطالة الحرب إلى ما لا نهاية.. وفي هذه النقطة تحديداً ينبغي التفريق بين (العفو) و(العدالة)، وبين (المصالحة) و(الإفلات من العقاب).. فوقف الإجراءات القانونية مؤقتاً للمشاركين في الحوار، كما أعلن الرئيس البرهان، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إسقاطاً للحقوق أو تعطيلًا للقضاء، وإنما يجب أن يكون إجراءً لتهيئة المناخ السياسي، على أن تبقى الجرائم والانتهاكات الكبرى خاضعة للقانون والقضاء المستقل.
*أما قضية المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، فهي من أكثر القضايا قابلية لتفجير الحوار من داخله.. فهناك من يرى أن إقصاء تيار سياسي بأكمله يتعارض مع مفهوم الحوار الشامل، وهناك من يرى أن إشراك المؤتمر الوطني تحديداً يعني إعادة إنتاج النظام السابق .. وبين الموقفين يمكن الوصول إلى صيغة أكثر عقلانية: لا ينبغي أن تكون المشاركة السياسية مكافأة تتحول المحاسبة فيها إلى محكمة سياسية تمنع السودانيين من حقهم في الاختلاف الفكري.. فالمعيار إذن يجب أن يكون واضحاً: من يشارك بصفته مواطناً وحزباً سياسياً سلمياً يلتزم بالدستور والقانون ونبذ العنف، ومن تثبت مسؤوليته الجنائية عن جرائم محددة، فمكانه أمام القضاء، لا على منصة الحوار.. بهذه الصيغة يمكن الفصل بين (الفكرة السياسية) و(الجريمة الجنائية)، وبين حق الإنسان في الاعتقاد السياسي ومسؤوليته عن أفعاله.
*أما القول باستبعاد كل من ينتمي إلى تيار فكري معين، فهو أمر يصعب تطبيقه عملياً في بلد مثل السودان؛ لأن الأفكار لا تُستأصل بقرارات سياسية، وإنما تُهزم أو تنتصر داخل المجتمع عبر الممارسة والانتخابات وصندوق الاقتراع.. وهذا لا يعني إعادة تمكين أي تنظيم، وإنما يعني أن الدولة الديمقراطية تحاسب الأفراد والتنظيمات على أفعالهم وفق القانون، لا على مجرد تصنيفهم الفكري.. والحوار المطلوب كذلك لا ينبغي أن يكون حوار النخب وحدها. فالمرأة السودانية التي فقدت أبناءها، والشاب الذي توقفت دراسته، والمزارع الذي فقد محصوله، والتاجر الذي دُمر متجره، والموظف فقد وظيفته وفصل عبر لجنه إزالة التمكين والذي فقد راتبه وحقوقه ، والنازح الذي يعيش خارج منزله، وأهل دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم والشرق والشمال، كل هؤلاء أصحاب مصلحة مباشرة في الحوار. ولذلك فإن أي حوار لا يستمع إلى المجتمع، ولا يفتح أبوابه للعمال والموظفين وللشباب والنساء والنازحين والمهنيين والإدارات الأهلية والقوى المجتمعية، سيظل حواراً للنخب أكثر منه حواراً وطنياً
*والسؤال الأهم: هل يستطيع الرئيس البرهان أن يحوّل ما قاله في عيد الجيش إلى ممارسة سياسية؟ هنا ستكون الاختبار الحقيقي.. فإذا كانت الدولة ليست صاحبة الأجندة، فمن يضع الأجندة؟ ومن يختار المشاركين؟ ومن يضمن عدم إقصاء القوى المدنية المختلفة؟ ومن يحدد العلاقة بين الحوار وبين وقف الحرب؟ ومن يضمن تنفيذ المخرجات؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الإعلان خطوة تاريخية نحو السلام أم مجرد محطة جديدة في سلسلة المبادرات.