آخر الأخبار

خارطة سياسية جديدة في إفريقيا

بعد .. و .. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*ما حدث ويحدث في السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023 م، لم يحدث صدفة، بل كان جزءاً من مخطط قديم لإعادة رسم الخارطة الإفريقية، خاصة في إقليم وسط وشرق أفريقيا ووادي النيل ، وتم الكشف عن ذلك مبكراً ، لكن للأسف الشديد لم تنشغل النخب السياسية والحاكمة بالأمر كما ينبغي، وربما تكون حكومة الإنقاذ في فترة ما قد إنشغلت به ولكن الإهتمام لم يستمر كثيراً حتى وقعت الواقعة، وإنفصل جنوب السودان عن شماله، ولم يع الكثيرون الدرس ، وإن الدول الخارجة عن دولها الأم ستبقى هي الأضعف حتى وإن ساندتها دولة كبرى، والنماذج كثيرة وواضحة منذ إنقسام ألمانيا إلى شرقية وغربية، وكوريا إلى شمالية وجنوبية ، والباكستان الخارجة عن عباءة الهند ثم لاحقاً بنغلاديش ، وهنا خرجت إريتريا عن إثيوبيا ، وقد أسهمت دول كثيرة في هذا التشظي الذي يضعف الدول ولا يقويها.

*الآن المخطط يستمر تنفيذه برعاية خارجية وأياد داخلية محلية ، وأتوقع شخصياً هزة كبيرة في إقليم وسط وشرق أفريقيا، وقد بدأت ملامحه في الظهور والتشكل ، وما حدث في ليبيا ليس ببعيد، بل الآن تتجه (ليبيا حفتر)  إلى التصعيد ضد السودان بالإتفاق مع قيادة تشاد وعلى رأسها محمد إدريس ديبي، وبالأمس القريب تم الإتفاق على تكوين قوة مشتركة لحماية الحدود كما جاء في الاعلان عن هذه القوة ، من المهربين وتجار البشر الإرهابيين.

*ونرى الآن سعي المعارضة التشادية للوحدة والوقوف في صف واحد للإطاحة لنظام ديبي الإبن ، ونحسب انها تجد الدعم الخفي من قوى إقليمية فاعلة في المنطقة.

*وفي جنوب السودان حدث تحول كبير على مستوى قيادة الدولة والحركة الشعبية الحاكمة برئاسة الفريق سلفاكير ميارديت، الذي أطاح بحلفائه وربما يقترب من خصوم اليوم وعلى رأسهم الدكتور رياك مشار وممن أطاح بهم من قبل، لإعادة صياغة نظام حكم جديد ربما يعيد الوجوه القديمة لمقاعد حكم جديدة، ويقضي على فتنة قادمة في دولة جنوب السودان التي لم تستقر منذ إنفصالها عن الدولة الأم.

*وما يحدث في الشرق الأفريقي ينذر بمخاطر كبيرة ، وربما تحدث مواجهات عسكرية بين دولتي إثيوبيا وإريتريا، والصراع يبدو في ظاهره صراعاً قبلياً أو على مناطق تتنازع عليها الدولتان منذ إنفصال إريتريا عن إثيوبيا، وقد لعب السودان دوراً في ما حدث ولم يكن ذلك الدور خافياً على كل مراقب للشان الأفريقي العام.

*الآن تتحرك مصر ونتوقع أن ترمي بثقلها في ما يجري الآن لأنه بات يهدد أمنها القومي، خاصةً من جنوبها ومن غربها، وتهديدات قوات الدعم السريع وحلفائها في ليبيا.

*ولا نستبعد أن تدخل منطقة البحر الأحمر في هذا الصراع الدامي، بسبب الأطماع الدولية في الهيمنة والسيطرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم ، ونحن نعرف أهمية السودان الجيوسياسية من خلال موقعه وساحله الطويل الذي يمتد بنحو ثمانمئة الف كيلومتر.

*السودان هو يتحمل كل الذي يحدث الآن، وكثير من أبناء شعبه مشرد مابين النزوح واللجوء يدفع ثمن الصراع على المصالح، وتجتهد القيادة الحالية في الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، لكن الخصوم بالمرصاد، ويتعامل التمرد بما يمكن أن نسميه الحيل المكشوفة، من خلال الإعلان عن قبوله الهدنة الإنسانية، وهو في حقيقة الأمر يحتاج إلى هدنة يرمم بها ما لحق به من خسائر في الأرواح والمعدات.

*نحن الآن في حاجة ماسة إلى تماسك مجتمعي، وفي حاجة لوحدة داخلية ولمجالس إستشارية من مستقلين يمثلون المجتمع السوداني بأكمله بعيداً عن التحزب والقبلية الصارخة، لتكون هذه المجالس الإستشارية برلماناً شعبياً يجمع أهل السودان عليه، ونتمنى ونرجو ذلك لأن الأخطار كبيرة، وما يجري التخطيط له أكبر وأخطر مما نتصور، ونحن لا نريد لبلادنا أن تكون أرضاً محروقة يرثها الرجرجة والدهماء والأوباش الذين لا دين لهم ولا ملة.