كم ستبقى أفريقيا “أرضا بلا صاحب”؟!
بقلم : د. ياسر محجوب الحسين –
في مشهد يعيد إلى الأذهان مؤتمر برلين عام 1884، حيث جلس الاستعماريون حول الطاولة بأقلام ومساطر يقسمون القارة السمراء كما يقسمون كعكة، يعود التنافس الدولي اليوم بوجوه جديدة وخطاب «براغماتي». فبعد أيام قليلة من جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أفريقيا، يحط مساعد وزير الخارجية الأمريكي فرانك غارسيا الرحال في نيجيريا وكوت ديفوار ومالي. الرسالة واضحة: غرب أفريقيا والساحل ساحة معركة جديدة بين واشنطن وموسكو على النفوذ، والغنيمة هي الموارد الطبيعية الضخمة لقارة ما زالت – في عيون الزرقاء – «أرضاً بلا صاحب».
تقدم إدارة ترامب «خارطة طريق» جديدة لأفريقيا، خلاصتها: وداعاً للمساعدات التقليدية المزعجة، وأهلاً بالبيزنس الصرف. الشعار اللامع هنا هو «علاقات بلا وعظ»؛ فلا مزيد من الخطب الأخلاقية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل «تعامل مع الحكومات كما هي». وسخرية التاريخ تكمن في أن الدول نفسها التي طالما اتهمت الآخرين بالاستعمار ترفع اليوم راية «أمريكا أولا»، وتعلن أن «أفريقيا أولا» تعني في الواقع أن تكون القارة أولا في قائمة الموردين للذهب والكوبالت، والنحاس، والغرافيت. وبحلول عام 2050، سيشكل الافارقة ربع سكان العالم، لكن الاهتمام الأمريكي ليس بالبشر، بل بالمعادن التي ستغذي سلاسل التوريد بعيداً عن الصين وروسيا.
تتحدث واشنطن عن «دبلوماسية تجارية» تدعم صفقات بـ 25 مليار دولار، وزيادة في الصادرات بنسبة 23%. أما المساعدات فقد أصبحت «رأسمالاً استراتيجياً»؛ إذ لا غداء مجانياً، وهناك «صفر تسامح» مع الفساد إلا إذا كان هذا الفساد يخدم المصالح الأمريكية طبعاً. وفي منطقة الساحل، تسعى الولايات المتحدة لإعادة بناء علاقاتها مع تحالف دول المنطقة، واستضافة أصول جوية في كوت ديفوار بعد خسارة قاعدتها في النيجر، وفتح صفحة جديدة مع مالي؛ كل هذا بينما تروج لـ«ملكية أفريقية» لمكافحة “الإرهاب”، بشرط أن تظل هذه الملكية تحت الإشراف الأمريكي.
وتكتمل السخرية حين يقدم ترامب نفسه «صانع صفقات» يحل أزمات السودان وسد النهضة والكونغو ورواندا، وفق عقد جديد مفاده: «نحن نستثمر في مواردكم وبنيتكم، وأنتم تضمنون أمننا القومي». فبين حدود استعمارية رسمتها أقلام أوروبية قسمت القبائل وأشعلت النزاعات، وها نحن اليوم أمام تقسيم جديد بين الدولار والروبل، مع التركيز على المناجم والموانئ.
ولم ينجح الاتحاد الأفريقي في انتشال القارة من هذه الدوامة، بل تحول إلى مؤسسة تسير في فلك المستعمر، يعصف بها فساد الموظفين وارتباطاتهم بالعيون الزرقاء. وتظل الشعوب الأفريقية – كيانات «بلا إرادة» – رهينة هذا التنافس، بينما يتناثر خطاب «المصالح المتبادلة» كغطاء رقيق لنهب مصلح.
في النهاية، لم يتغير الكثير منذ القرن التاسع عشر؛ فالقارة الغنية بمواردها الطبيعية ما زالت مخزناً ضخماً مفتوحاً لمن يدفع أكثر أو يعد بأقل. والمستعمر الجديد لا يحمل علم دولة واحدة، بل يرتدي بدلة «البراغماتية» ويتحدث لغة الأرقام. فهل تستيقظ أفريقيا يوماً وتكتب حدودها بنفسها، أم تبقى كعكة تُقسم بمسطرة حديثة؟