
السودان والتسوية… كيف يربح الجميع دون أن تخسر الدولة؟(2-2)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*هنا نصل إلى مسألة أعمق في فكرة (الصفقة التاريخية): كثير مما يجري تقديمه باعتباره ضمانات متبادلة ليس ملكاً للأطراف المتفاوضة أصلاً.. فمن يملك أن يمنح الإسلاميين حق المشاركة السياسية أو يحجبه عنهم؟ ومن يملك أن يقرر للجيش موقعاً في مؤسسة الرئاسة لسبع سنوات؟ ومن يملك منح الحركات استحقاقات سياسية مستمرة، أو تسليم القوى المدنية قيادة الجهاز التنفيذي طوال مرحلة انتقالية ممتدة؟ هذه ليست ممتلكات سياسية تتبادلها القوى فيما بينها، وإنما قضايا تتصل بحقوق المواطنين وبنية الدولة والدستور ومصدر السلطة فيها.. والتسوية التي تعيد توزيع الدولة بين أطراف الأزمة قد توقف الصراع بينها، لكنها لا تؤسس بالضرورة شرعية جديدة للدولة.
*وينطبق ذلك على القوى المدنية أيضاً.. فالمقال مصيب في رفض احتكار أي كتلة سياسية للشرعية دون تفويض انتخابي، سواء كانت (صمود) أو (تأسيس) أو الكتلة الديمقراطية أو غيرها.. لكن تصحيح هذا الخلل لا يكون بتوزيع الشرعية بالتساوي بين القوى الموجودة في المشهد، وإنما بإعادتها إلى مصدرها الطبيعي: الشعب السوداني.. والمرحلة الانتقالية ضرورة قد تفرضها ظروف الحرب، لكنها ينبغي أن تكون طريقاً إلى التفويض الشعبي، لا نظاماً سياسياً قائماً بذاته يعيد إنتاج النخب ذاتها لسنوات طويلة.
*ومن هنا تأتي الملاحظة على السنوات السبع التي يقترحها فارس النور.. صحيح أن إعادة اللاجئين والنازحين، والإعمار، ومعالجة قضايا الأراضي، وإصلاح المؤسسات، وتوحيد الدولة وتهيئة البلاد للانتخابات تحتاج إلى زمن، لكن تحديد سبع سنوات سلفاً يحمل مخاطرة تحويل الانتقال من جسر مؤقت إلى سلطة طويلة الأجل.. السودان خبر المراحل الانتقالية التي تبدأ باعتبارها استثناءً ضرورياً ثم تتحول إلى ساحة جديدة للصراع على السلطة.. الأنسب أن ترتبط المرحلة بمهام واضحة وجداول زمنية قابلة للقياس والمراجعة، وأن تظل الانتخابات أقرب ما تسمح به الظروف الموضوعية، لا أبعد ما تستطيع القوى السياسية الاتفاق عليه.
*ويضاف إلى ذلك أن أطروحة فارس النور، بصرف النظر عما فيها من أفكار تستحق النقاش، تواجه مشكلة في التوقيت نفسه.. فعسكرياً، لم تنضج بعد الشروط التي يمكن أن تقوم عليها تسوية مستقرة؛ فالقتال مستمر، ومركز الدولة ووضع التشكيلات المسلحة وترتيبات إنهاء وجودها العسكري لم تستقر بعد، وأي صيغة تمنح الأطراف المسلحة ضمانات واستحقاقات مسبقة قد تتحول عملياً إلى تثبيت لواقع فرضه السلاح قبل الاتفاق على كيفية إنهائه.. ومدنياً وسياسياً، المجتمع السوداني لم يخرج بعد من آثار القتل والنزوح والنهب وفقدان الممتلكات وتدمير المدن والمرافق، ولا تزال جراح قطاعات واسعة من المواطنين مفتوحة.. وفي مثل هذا المناخ، فإن الانتقال مباشرة إلى الحديث عن (ماذا سيأخذ كل طرف) قبل استكمال وقف الحرب والمحاسبة وتثبيت سلطة الدولة قد يجعل التسوية تبدو، في نظر الضحايا، أقرب إلى مكافأة أطراف الصراع منها إلى تأسيس سلام عادل.. فالتسوية لا تحتاج فقط إلى مضمون قابل للحياة، وإنما إلى لحظة سياسية واجتماعية تستطيع حملها.
*جوهر الخلاف مع أطروحة فارس النور، إذن، ليس حول السلام ولا حول الحاجة إلى تنازلات مؤلمة.. السودان يحتاج بالفعل إلى تسوية تاريخية وإلى شجاعة سياسية تتجاوز الانتقام والإقصاء.. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى تحديد ما الذي تتم التسوية عليه، وما الذي ينبغي أن يبقى خارج المساومة.
*يمكن التفاوض على ترتيبات الانتقال، وشكل الحكم، والفيدرالية، وتقاسم الموارد، والإعمار، وعودة النازحين، وضمان المشاركة السياسية، وإصلاح المؤسسات.. أما وحدة الدولة، واحتكارها للسلاح، ووحدة المؤسسة العسكرية، وخضوع الجميع للقانون، وعدم تحويل القوة المسلحة إلى مصدر للشرعية السياسية، فينبغي أن تكون قواعد تأسيسية للتسوية وليست حصصاً داخلها.
*والسلام المستدام يحتاج بالتأكيد إلى أن يجد الجميع مصلحة فيه، لكنه لا يقتضي مساواة الجميع في المركز القانوني أو في الاستحقاقات السياسية. المطلوب أن يجد جميع السودانيين مكاناً آمناً وعادلاً داخل الدولة، وأن تُصان الحقوق السياسية والمدنية، وأن يخضع مرتكبو الجرائم للقضاء، وأن يصبح حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة طريقاً مسدوداً لا وسيلة لتحسين شروط التفاوض معها.
*ولذلك فإن السؤال الذي أثاره فارس النور يحتاج إلى سؤال يسبقه: قبل أن نسأل كيف يربح الجميع من السلام، ينبغي أن نسأل: أي دولة نريد أن تنتج عن هذا السلام؟ ..إذا كانت الإجابة دولة تتسع للجميع، ويحكمها القانون، ويختار شعبها حكامه، وتحتكر الدولة فيها الاستخدام المشروع للقوة، فلا خلاف كبير على الغاية.. أما إذا أصبحت التسوية وسيلة لمعادلة الدولة بتشكيل مسلح، وتحويل نتائج حمل السلاح إلى استحقاقات سياسية، وتوزيع شرعية لا يملك أطراف التفاوض منحها، وتأجيل العودة إلى الشعب لسنوات طويلة، فنكون قد أوقفنا حرباً وربما وضعنا داخل الاتفاق نفسه بذور الحرب التالية.
*المشكلة، إذن، ليست في البحث عن تسوية يربح منها الجميع، وإنما في أن يبدأ الربح من الدولة نفسها. فإذا خسرت الدولة احتكار السلاح، أو تساوت مؤسساتها مع التشكيلات المسلحة، أو تحولت البندقية إلى مصدر دائم للاستحقاق السياسي، فلن يكون ما تحقق سلاماً مستداماً بقدر ما سيكون هدنة أعادت توزيع مواقع أطراف الحرب.. السودان يحتاج إلى سلام يفتح أبواب الدولة للجميع، دون أن يجعل السلاح مفتاحاً لتلك الأبواب.