آخر الأخبار

هل تحولت مواقع التواصل الإجتماعي لصيدليات رقمية؟

 

  • مافيا الدواء المغشوش تستهدف السودانيين
  • (50) ألف موقع إلكتروني حول العالم تروج وتبيع أدوية مزيفة
  • 200 مليار دولار سنويا حجم الدواء المزيف عالميا
  • هذا مصير الفتيات الباحثات عن الجمال الزائف بسبب حقن (البوتكس) و(الفيلر)

تحقيق- التاج عثمان:
إنتشرت مؤخرا وبصورة ملفتة للنظر ببعض منصات التواصل الإجتماعي السودانية حملات ترويجية لعدد من الأدوية التي يدعي مروجوها انها تعالج الضعف الجنسي وتزيد القوة الجنسية لدى الرجال وتعيدها حتى للمسنين فوق الستين.. وبعضها يروج لعلاج إلتهاب المفاصل وخشونة الركبتين وإلتهاب البروستاتا.. وأكثرها تداولا وجاذبية تلك الموجهة للنساء والفتيات الباحثات عن (الجمال الزائف) عبر المساحيق والكريمات والهرمونات لإنقاص الوزن.. فهل هذه الأدوية المعلن عنها بالمواقع الإلكترونية السودانية وغيرها بالدول الأخرى أدوية حقيقية مسجلة ام أنها أدوية عشوائية او بصريح العبارة (مغشوشة)؟.. (أصداء سودانية) تسلط الضوء على هذه القضية من خلال هذا التحقيق
إعلانات إغرائية:
ظللت أتابع وأرصد إعلانات لبعض الأدوية ومساحيق تجميل الوجه وحقن إنقاص الوزن لفترة طويلة من خلال بعض المواقع الأسفيرية، لا حظت أنها مصممة تصميما جذابا بالوان زاهية وبعضها يصاحبها فيديو تعريفي بالمنتج الدوائي وفوائدة عبر شخص يبدو كطبيب وفي نهايته تتحدث بعض الأشخاص من الجنسين يدعون انهم إستخدموا الدواء وكانت له نتائج مذهلة، حسب قولهم، سواء كان مقوي جنسي أو دواء سريع لإنقاص الوزن، أو مساحيق وكريمات لتجميل الوجه وإزالة التجاعيد والنمش والبثور وغيرها.. كما لاحظت ان هذه الموجة من الإعلانات تنهمر كالسيل عبر منصات التواصل الاجتماعي في الفيس والواتس، تحشر حشرا وسط الأخبار التي ترسلها المواقع المختلفة، ولا يستطيع المتابع او المتصفح لهذه المواقع الفكاك منها فبعد ان يزيلها تظهر مرة أخرى.. كما لاحظت ان السعر لا يصاحب إعلان الأدوية، وفي نهاية الإعلان يطلب من المتابع الدخول على رابط معين لتحديد الدواء المطلوب وكيفية توصيله للعميل او العميلة بمعنى انه غير متوفر في الصيدليات، وتجد في الرابط رقم هاتف للإتصال بعد ان تكتب إسمك ورقم هاتفك ونوع الدواء الذي ترغب في شرائه في فورم إلكتروني مخصص لذلك.
إحصاءات وأرقام:
إحصائية لمنظمة الصحة العالمية تشيرإلى أن 11% من الأدوية المبيعة في العالم مغشوشة, وأن 23% من الأدوية التي تباع عبر الإنترنت مزيفة, ويوجد 50 ألف موقع إلكتروني تروج وتبيع الدواء المغشوش, كما أشارت إلى أن الآلاف يموتون سنويا في العالم بسبب تناولهم جرعات أدوية مغشوشة.. لا شك انها معلومات وإحصاءات خطيرة توضح حجم وضرر الادوية المضروبة على نطاق دول العالم خاصة الدول الأفريقية ــ والسودان واحدا منها ــ المستهدف الأول لمافيا الأدوية المغشوشة الدولية، حيث بلغ حجم تجارة وتداول الدواء في العالم (تريليونا و250 مليار دولار)، علما ان نسبة 10 ـ 20 % من هذه الأرقام أدوية مغشوشة، حيث ان حجم الدواء المغشوش عالميا يبلغ حوالى (200 مليار دولار سنويا)، فغش الدواء موجود بكل دول العالم لكنه أكثر إنتشارا بالدول الافريقية والأسباب واضحة تتمثل في الفساد والرشوة وإنعدام الضمائر وضعف عقوبة المهربين.
صيدليات رقمية:
العالم الإفتراضي ساهم في إنتشار الأدوية المغشوشة، عبر ما يسمى (الصيدليات الرقمية)، ببث إعلانات ملونة جذابة تضرب دائما في الوتر الحساس لأولئك الذين يرغبون في تقوية قدراتهم الجنسية، والتركيز على ادوية التخسيس يصاحب ذلك عادة صورة لفتاة او رجل يعانون من البدانة، ثم تنشر صورهم بعد تعاطي دواء التخسيس ويبدون في غاية النحافة.. ويلاحظ ان إعلانات هذه الأدوية تشير دائما ان الأدوية التي يروج لها على منصات التواصل الاجتماعي بانها مكونات طبيعية وخالية من المواد الكيميائية.. صيدلي ــ فضل حجب إسمه ــ علق على هذا الزعم بقوله:
هذا خطأ، حيث ان جميع الأدوية المغشوشة المعلن عنها في مواقع التواصل الاجتماعي تحتوي على مادة (السيبوترامين) المحظورة عالميا، فالأبحاث الصيدلانية حولها أثبتت انها تتسبب في اضرار صحية على مستخدميها مثل الجلطات والأزمات القلبية وإنخفاض عمل عضلة القلب وعدم إنتظام ضربات القلب والسكتات الدماغية والفشل الكلوي.. وهناك ادوية مغشوشة أخرى تحتوي على مادتي (السينفرين) و (اليوهامين) واللتين ثبت اضرارهما على القلب والضغط.. كما نحذر كصيادلة من حقن (البوتكس) و(الفيلر) المستخدمة في بعض محال الكوافير، فبعض الأشخاص الذين تناولوا هذه الادوية كانت نهايتهم على أجهزة الغسيل الكلوي، والبعض توقفت قلوبهم بسبب إرتفاع ضغط الدم، وآخرون تعرضوا لحصاوى الكلى والمرارة”.
أخيرا:
ناشطون في مكافحة الأدوية المغشوشة رصدوا 65 قناة عربية، منها مواقع سودانية، يتم من خلالها الترويج لأكثر من 100 دواء بعضها مجهول المصدر، وبعضها مسجل لدى الجهات الرسمية للدواء ولكن تحت مسمى مكملات غذائية وفيتامينات ويتم الترويج لها في المنصات وكأنها دواء سحري وإيهام المواطنين على أنها عقاقير للتخسيس وإنقاص الوزن وتتهافت عليها الفتيات البدينات الباحثات عن (الجمال الزائف) بصورة كبيرة.. وخطورة منصات التواصل انها توصل إعلانات الأدوية المغشوشة للملايين حول العالم.. ولا أذيع سرا لو قلت ان مافيا الدواء المغشوش تستهدف عبر مواقع التواصل الإجتماعي اللاجئين السودانيين المنتشرين في بعض الدول العربية والافريقية، والسودانيين بصفة عامة المتواجدين داخل البلاد.. ومصداقا لما اشرنا إليه من خلال السطور السابقة بإستهداف مافيا الدواء العالمية ومحاولاتها المستميتة لإغراق البلاد بالادوية المغشوشة او حتى غير المسجلة والتي نعلم ان لديها أذرع اخطبوطية داخل البلاد، وذلك بعد نهب وتجفيف مليشيا الدعم السريع لمخزون الأدوية بالإمدادات الطبية بالخرطوم، وشركات القطاع الخاص والصيدليات وجميع مصانع الأدوية ومخازنها، مما فتح شهية مافيا الدواء لإستهداف السودان والسودانيين، مستغلين السيولة الأمنية التي افرزتها الحرب، لسد هذه الفجوة الكبيرة في الدواء بالأدوية المغشوشة او على الأقل غير المسجلة، وللتأكيد على ذلك فقد وضعت حملة للمجلس القومي للأدوية والسموم فرع ولاية نهر النيل منتصف نوفمبر الجاري يدها على كمية كبيرة من الادوية المغشوشة مجهولة المصدر وغير مسجلة بمدينتي بربر وأبو حمد.. من جهتها كشف المجلس القومي للأدوية والسموم ولاية القضارف ضبط ادوية مهربة وغير مسجلة بجانب كمية كبيرة من الادوية المخصصة للتوزيع مجانا (عينات ليست للبيع)، بجانب ادوية ملاريا مشكوك في شرعية وسائل استجلابها للسودان.. وأول ديسمبر ضبطت قوات مكافحة التهريب بالولاية الشمالية فرع وادي حلفا كميات كبيرة من الادوية المهربة تقدر بنحو 2 طن على متن شاحنتين كبيرتين و 3 عربات بوكس و للخداع قام المهربون بالتمويه لجريمتهم بوضع الادوية وسط بعض المواد المدرسية.. ويحمد لوزارة الصحة الإتحادية انها تسعى جاهدة سد هذه الفجوة الدوائية الكبيرة حيث بلغت قيمة الادوية المستوردة خلال العام الحالي 2024م أكثر من 184 مليون دولار.. وبجانب مجهودها المقدر في محاولة توفير الادوية للمواطنين في ظل السيولة الأمنية التي فرضها واقع الحرب، على وزارة الصحة السودانية ممثلة في المجلس القومي للأدوية والسموم مراقبة مواقع التواصل الإجتماعي والحد من خطورتها وتوعية اللاجئين السودانيين وغيرهم من خطورة الادوية المغشوشة التي تروج لها هذه المواقع، حيث انها غير مسجلة في الغالب لدى الجهات المختصة، او قد تكون تقليد لدواء مسجل سواء إحتوى على نفس المادة الفعالة وبنفس المقادير، او إحتوائه على مادة فعالة أخرى.. ويحذر وزير صحة سابق المواطنين بعدم شراء مثل هذه الأدوية المعلن عنها عبر الصفحات الإلكترونية وعلى منصات التواصل الاجتماعي لكونها مجهولة المصدر وغير مصرح بها في الغالب وهدفها تحقيق ربح غير مشروع.
مكافحة ترويج وبيع الأدوية مجهولة المصدر من خلال بعض المنصات الإلكترونية يستلزم التنسيق بين وزارت: الصحة، الداخلية، الاعلام، وإدارة الصيدلة، والمجلس الأعلى للأدوية والسموم، والمواصفات، وشركات الإتصال، ونقابتي الصيادلة والأطباء، وحماية المستهلك.. وننبه المواطنين الحرص على شراء الأدوية من المصادر الدوائية الموثوقة.