آخر الأخبار

أكان سيبتسم؟

لمياء موسى

*أيها القرّاء الأعزّاء، أحييكم بتحيّة ملؤها الودّ والرحمة، وشوقٌ يملأ القلب للقاءٍ بكم. في هذا المقال أفتح معكم نافذة على مناسبةٍ عزيزة على القلوب، تدخل إلينا محمّلةً بالفرح والبهجة، فنستقبلها بالابتسامات ونوزّع الحلوى الملوّنة، ونهدي بعضنا بعضًا تلك القطع الصغيرة التي تحمل في طيّاتها ذكرى الطفولة وعبق الماضي.

*من منّا لا يختزن في ذاكرته صورة الجدّ أو الجدّة وهما يدخلان البيت حاملَين في أيديهما (عروسة المولد) المصنوعة من الحلوى أو الحصان السكّري الملوّن؟ كانت لحظات طفولية ساحرة تضيء الروح كلما عاد المولد النبويّ الشريف. واليوم، ومع تطوّر فنون صناعة الحلوى، بقي الأصل واحدًا: الاحتفال بقدوم ذكرى مولد نبيّ الرحمة، محمّد صلى الله عليه وسلّم.

*وما عساني أقول في شرف مولده، وقد قال العلماء والمصلحون والدعاة الكثير، فأبكوا القلوب وخشعت الأرواح حين تحدّثوا عنه صلى الله عليه وسلّم؟ لن أضيف على ما قيل، ولن أكرّر ما شرحه الأوّلون، لكنّي أطرح سؤالًا يلحّ عليّ :

*لو كان رسول الله بيننا اليوم، حيًّا يسير في شوارعنا، هل كان سيرضى عنّا ويبتسم فخورًا بأمّته؟ أم كان سيشيح بوجهه حزينًا وينصرف؟

*إنّه سؤالٌ أطرحه على نفسي أوّلًا، وأضعه بين أيديكم لتجيبوا عنه في أعماق قلوبكم، كلٌّ على قدر صدقه مع ذاته. ليس قصدي من سؤالي أن أزعجكم أو أضعكم في مواجهة القضايا الكبرى التي ترهق العقول وتثقل النفوس، بل غايتي أهون من ذلك وأقرب إلى القلب: أن يقف كلّ واحدٍ منّا أمام مرآته ليرى ذاته بصدق، ماضيه وحاضره، ثم يتأمّل إلى أين تمضي خطاه في المستقبل. فلكلّ إنسان قضاياه الخاصّة، معاركه الصغيرة التي قد لا يراها الناس، لكنّها في داخله حروب ضارية: انتصاراته وخيباته، مواقفه التي فيها خذل نفسه أو دينه أو مجتمعه، أو على العكس وقف فيها ناصرًا للحقّ وفيًّا للواجب.

*هنا يطلّ السؤال الجوهري: أين موقع رسالة محمد ﷺ من حياتنا الخاصّة؟ تلك الرسالة التي نزلت نورًا للبشريّة، تحمل في جوهرها التوحيد والإيمان، وتزدان بالعدل والصدق، وشرف الكلمة، والوفاء بالعهد، والبرّ، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، ومكارم الأخلاق التي خلدها القرآن، وشرحتها السنّة قولًا وفعلًا

*ومن هذا السؤال الجوهري تتشعّب أسئلة كثيرة، يعجز مقال واحد عن استيعابها أو الإحاطة بها, غير أنّ الجواب عنها لا يحتاج إلى خطب رنّانة ولا إلى شعارات عابرة، بل يحتاج قبل كلّ شيء إلى صدق مع النفس، وإلى شجاعة في مواجهة المرآة.

*فلنجرؤ على أن نسأل أنفسنا بصدق: أين نحن من فضيلة الصدق؟ كيف أصبح الكذب والنفاق سيّدي الموقف، بينما يُستهان بالصادق، ويُصنّف في أعين الناس ساذجًا أو ضعيفًا؟ أليس الصدق ركنًا أصيلًا من أركان رسالة محمد ﷺ، ذاك الذي نحتفل بمولده ونوزّع الحلوى في ذكراه، بينما نهمل أعظم ما جاء به من قيم ومكارم؟.

*وأين نحن من قيمة العدل؟ ذلك الأساس الذي يقوم عليه الدين. لا أعني العدل المطلق الذي هو لله وحده، بل ذاك العدل القريب الممكن في حياتنا اليوميّة: هل نعدل بين أبنائنا؟ هل نحكم بالإنصاف إذا تحاكم إلينا اثنان، حتّى وإن كان أحدهما أقرب الناس إلينا دمًا؟.

*وأين نحن من البرّ بالجار والسؤال عنه؟ لقد غدت الجدران حواجز صامتة تفصل بين البيوت، يسكن في شقّة جارٌ يتلذّذ بأشهى المأكولات، وبجواره جارٌ آخر لا يجد قوت يومه. والعمارة الواحدة من ضخامتها قد تضمّ من السكّان ما لو وُزّعوا على حيّ كامل لملؤوه، ومع ذلك يعيش كلّ ساكنٍ في عزلةٍ باردة، لا يسأل عن الآخر ولا يلتفت إليه. والأدهى من ذلك أن يكون هذا “الجار” أخًا أو أختًا أو قريبًا أو صديقًا، ومع ذلك تنقطع صلة الرحم وتُهدر أقدس الروابط التي أوصى بها الله ورسوله.

*وأين نحن من معنى الأخوّة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلّم: (إنّما المؤمنون إخوة)؟ أين نحن من صورة البنيان المرصوص الذي يشدّ بعضه بعضًا؟ صرنا نتفنّن في كسر الخواطر وإيذاء القلوب، وصرنا أحيانًا أشدّ على بعضنا من الأعداء. والغربة شاهدة، إذ ترى أبناء الدين الواحد متنافرين، يتعاملون ببرود أو قسوة، وقد جُعلوا أصلًا إخوة.

*ثمّ أين نحن من الأيتام الذين يمشون في الطرقات بلا سند، ومن أطفال الشوارع الذين ينامون على الأرصفة، ومن الأسر التي تئنّ تحت وطأة الغلاء وجشع التجّار؟ ألم يقل محمّد صلى الله عليه وسلّم: (أنا وكافل اليتيم في الجنّة كهاتين)، وأشار بإصبعيه ليدلّ على القرب العظيم؟.

*ثمّ أين نحن من فضيلة طلب العلم بإخلاصٍ وجدّ؟ ذاك العلم الذي يرفع النفس والأمّة معًا، لا ذاك الملوَّث بالغشّ والسطو، ولا بالتفاخر الكاذب بأنّا حصدنا شهادات لا تغني عن جهل ولا تزيد إلّا وهمًا. فطلب العلم شيء، ونيل الشهادة شيء آخر.

*وأين نحن من تربية أبنائنا وتعليمهم؟ من الصبر عليهم والحرص على تهذيبهم؟ لقد تركنا الكثير من أبنائنا أسرى للشاشات، وغذّتهم الثقافات الغريبة بما يشوّه براءتهم، في حين أعرضنا نحن عن أبسط الواجب: أن نقرأ كتابًا واحدًا يعلّمنا كيف نرعاهم ونسلك بهم سبيل القيم.

*وأين نحن من الإخلاص في أعمالنا، ومن التفاني الذي يجعل العمل عبادةً وضميرًا حيًّا؟ لقد صار الهمّ الأكبر عند الكثيرين أن يجمعوا المال بأيّ سبيل، لا فرق إن كان الطريق مستقيمًا أو معوجًّا، ما دام الغاية بيتًا فخمًا بمواصفات خاصّة، أو سيارة لامعة تمخر الطرقات وتلفت الأنظار. هكذا غابت الروح عن العمل، وحلّ مكانها سباقٌ محموم نحو المظاهر التي لا تزيد القلب إلّا عطشًا.

*إنّ القائمة طويلة قرّائي، هذه الأسئلة وغيرها تمشي معي كالظلال، تلاحقني في الطرقات، وتطرق أبواب قلبي دائمًا.

*لذلك لا عجب أن تهجرنا البركة، وتخفت عنّا تلك الطاقة النورانيّة التي كانت تظلّل أرواحنا. فلا يبقى في أيّامنا سوى ثِقَل المشكلات، وتناسل الأمراض، وهدير الحروب التي لا تهدأ. نمضي تائهين في بحرٍ لُجّي، لا نعرف له أوّلًا ولا آخرًا، نتخبّط بين أمواجه، ثمّ نقف مذهولين نتساءل: ماذا حدث؟.

*فأعود بكم إلى سؤالي الأوّل: لو كان نبيّ الله بيننا اليوم، حاضرًا بين أيدينا، هل كان سيرضى عنّا، ويشاركنا فرحة المولد ويتذوّق شيئًا من حلوى ذكراه؟ أم كان سيشيح بوجهه حزينًا، ويرفض أن يشاركنا الاحتفال؟.

*الجواب لا أملكه أنا وحدي… إنّه عندكم أنتم أيضًا، في ضمائركم، وصدق وقوفكم أمام المرآة.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن