
إرتباك جنوب السودان وأثاره على الخرطوم… قراءة في قرارات سلفا كير
عمرو خان
*تعيش جنوب السودان لحظة سياسية غير مسبوقة، بعدما تحوّل مرسوم رئاسي واحد إلى زلزال ضرب بنية السلطة من قمتها إلى قواعدها. قرار الرئيس سلفا كير بإقالة نائبه بنجامين بول ميل، ثم إبعاد قادة رئيسيين في الجيش والمالية والبترول، أعاد فتح السؤال الأكبر حول مستقبل الحكم في جوبا، وأعاد طرح المخاوف المتعلقة بانعكاس هذا الاضطراب على السودان الذي يرتبط عضوياً بمصير الجنوب سياسياً وأمنياً
*أولاً: قرار يهز الجنوب… ويفتح جرحاً في الخرطوم: إقالة بنجامين بول ميل – من نائب للرئيس إلى مُجرّد (جندي) – لم تكن خطوة إدارية، بل إعادة تشكيل جذرية لهرم السلطة في جنوب السودان. وتزامن ذلك مع تغييرات صادمة في قيادة الجيش، وإقالات متلاحقة في البنك المركزي ووزارة المالية ووزارة البترول.
*بهذه القرارات، أرسل سلفا كير رسالة واضحة: الولاء له أهم من استقرار مؤسسات الدولة.
*هذا النمط من الحكم – القائم على الهندسة المستمرة لمراكز القوة – يخلق فراغاً سياسياً، ويفتح الباب أمام
تصاعد التنافس الإثني والسياسي داخل جوبا، وتفكك مؤسسات المال والجيش، وإعادة إنتاج الصراع القديم بين الحركات المسلحة، وهو ما ينعكس فوراً على السودان باعتباره المتأثر الأول بأي هزة جنوبية.
*ثانياً: لماذا يُعد اضطراب جنوب السودان تهديداً مباشراً للسودان؟
جنوب السودان ليس جاراً عادياً للسودان؛ بل عمق استراتيجي، وحزام تماس، ومسار تصريف لتحركات سياسية وعسكرية قد تمتد شمالاً في أي لحظة.
ثلاثة عوامل تجعل الوضع في جوبا جزءاً من معادلة الأمن القومي السوداني:
1- الحدود المفتوحة مع دارفور وكردفان: الجنوب يتداخل جغرافياً مع أخطر مسارح الحرب السودانية اليوم
جنوب دارفور، غرب كردفان، بحر العرب والمناطق الحدودية المتنازع عليها، أي اهتزاز في جوبا يعني
تدفق السلاح والمقاتلين، ظهور ملاذات للمجموعات المسلحة، انتقال شبكات تهريب الذهب والسلاح والوقود، خصوصاً أن الجنوب كان دائماً ساحة خلفية لحركات دارفور وحركات جنوب كردفان – سواء بالتحالف أو بالتغاضي.
2- الاقتصاد المتشابك… وأنابيب النفط كمصير مشترك
-اضطراب قيادة البترول في جوبا وإقالات الوكلاء والوزراء خلال أيام قليلة – يهدد تدفق النفط عبر الأراضي السودانية عائدات رسوم العبور
استقرار العلاقات التجارية بين الخرطوم وجوبا.
*السودان الآن في وضع اقتصادي خانق؛ وأي اهتزاز في تدفق النفط الجنوبي يعني صدمة مضافة لاقتصاد يعاني أساساً بسبب الحرب
3- التوترات الداخلية قد تتسرب عبر الحدود
التغييرات المتلاحقة في قيادة الجيش الجنوبي – وإبعاد جنرالات ثم إعادتهم – تخلق بيئة قد تدفع بعض الفصائل للبحث عن دعم خارجي أو شبكات تحالف عابرة للحدود، وهو ما قد ينعكس مباشرة على صراع دارفور-
صراع كردفان- وحركة التمرد في الأطراف السودانية
خصوصاً أن جنوب السودان تاريخياً نقطة تلاقي للحركات المسلحة السودانية.
*ثالثاً: الولاء لسلفا كير… أهم من الدولة نفسها: التحليل السياسي لمشهد جوبا يكشف معادلة واضحة لا استقرار مؤسسياً دون الولاء الشخصي للرئيس وهذا يظهر جلياً في:
-إقالة وزير مالية بعد أسابيع فقط من تعيينه.
-تغيير قيادة البترول مرتين خلال أسبوع.
-إبعاد قائد الجيش وإعادته لاحقاً
-تجريد نائب الرئيس من منصبه، حزبه، ورُتبته دفعة واحدة
*هذه ليست دولة تُدار بالدستور، بل بنموذج (الرئيس–الشبكة)، حيث
لا يُسمح لأي شخصية بالصعود خارج سقف الولاء لا يُبنى مسار خلافة واضح وتبقى كل مراكز القوة في حالة دوران حول شخص واحد وهذه المعادلة ليست شأناً جنوبياً داخلياً فقط، بل تهديد مباشر للسودان.
*رابعاً: ديمقراطية جنوب السودان… سلطة تتغذى على السلاح لا على المؤسسات: رغم أن جنوب السودان دولة شابة سعت لبناء نموذج ديمقراطي، فإن الواقع يثبت أن:
الحزب الأقوى أو الحركة المسلحة الأكبر أو صاحب القبضة الحديدية هو الذي يحكم، وليس الدستور أو مؤسسات الانتقال وما يجري اليوم من (هندسة قسرية) للنظام السياسي يثبت أن بناء دولة مدنية ما يزال بعيداً
*خامساً: المشهد الآن… فوضى في الجنوب، انعكاساتها موجات ارتدادية شمالاً: اليوم، الصوت الأعلى في جوبا هو صوت قرارات سلفا كير.. إقالة نائب الرئيس-إقالة قائد الجيش-إقالة وزير البترول والتعاقدات-إعادة قائد جيش مُبعد-تفكيك دوائر مالية وأمنية
وكلما زادت الاضطرابات في الجنوب… زادت موجات الضغط على السودان الواقِع أصلاً في أسوأ أزمة سياسية وعسكرية منذ الاستقلال.
*خاتمة: جوبا تهتز… والخرطوم تدفع الثمن: جنوب السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة خطرة.. مؤسسات مرتبكة قبضة رئاسية مشدودة.. غياب مسار خلافة واضح صراع مواقع داخل الجيش والمال والبترول
وكل ذلك يجعل السودان – شمالاً – أمام واقع أكثر تعقيداً، لأن
عدم استقرار الجنوب – مضاعفة مهددات الأمن في السودان.. فالمعادلة أصبحت واضحة كل اهتزاز سياسي في جوبا ينتج عنه اضطراب أمني على حدود السودان ويضاعف الضغط على مناطق الحرب ويُعمّق أزمة أمن السودان الإقليمي.
*إن المنطقة اليوم – شمالاً وجنوباً – تعيش مرحلة يتقاطع فيها ضعف المؤسسات مع قوة السلاح، ومع غياب مشروع حكم مستقر في جوبا، سيظل السودان يواجه تداعيات ارتدادية لا يمكن تجاهلها.
*كاتب صحفي مصري