آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (21)..(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ط)

صمت الكلام

فائزة إدريس

*لكن صدقني لم يكن إلا مجرد أسلوب أكثر دهاء – أن توفر إقامة في غرفة فندق منفصلة بدلاً من الزج بهم فى  تخشيبة شديدة البرودة مع عشرين شخصاً آخر – ليس في ذلك من إنسانية بشيء. فالضغوط التي كانوا  يتناوبون استخدامها من أجل الحصول على المعلومات المطلوبة كانت من النوع الناعم، وليس عن طريق الضرب المبرح أو التعذيب الجسدي، عن طريق العزلة وهي الأكثر دهاء.

*لم يمسوا لنا شعرة، فقط وضعونا أمام الفراغ التام. ومن المعروف أنه لا يوجد على وجه الأرض ما يطبق على الروح الإنسانية كالفراغ. أرادوا عن طريق حبس كل واحد منا وحده في غرفة فارغة معزولة تماماً عن الحياة، بدلاً من الضرب والصقيع، أرادوا إحداث ضغط داخلي يقضي في النهاية إلى تفجر أفواهنا.

*لم تبدُ لي الغرفة المخصصة من النظرة الأولى غير مريحة قط. كان لها باب وبها فراش وكرسي وحوض للغسل ونافذة عليها سياج من حديد، لكن الباب ظل مغلقاً ليلاً نهاراً، ومُنع أن يوضع كتاب أو صحيفة أو ورقة أو قلم رصاص على المنضدة، وكانت النافذة تطل على جدار فاصل لحالات الحرائق، وما بُني من حولي  كان فراغاً  كاملاً. نزعوا عني كل ممتلكاتي: ساعتي؛ حتى لا أعرف الوقت، وقلمي؛ حتى لا أكتب شيئاً، والسكين؛ حتى لا افتح عروقي، وحتى أقل مغيبات العقل؛ كالسجائر منعت عني. حُرم عليّ أن أرى وجه إنسان سوى وجه الحارس الذي لا يتفوه بكلمة ولا يجيب عن أسئلة، وأن أسمع صوت انسان.

*لم أجد ما أغذي به عينيّ وأذنيّ وكل حواسي من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح. بقيت مع نفسي،  وأربعة أو خمسة أشياء، المنضدة والفراش والنافذة والحوض، وحدي لاأجد من  ينجدني كنت أعيش كالغواص تحت ناقوس زجاجي في محيط أسود من الصمت، غواص يستشعر انقطاع الحبل الواصل بينه وبين العالم الخارجي، وأنه لن يعود أبداً من أعماق  صمت البشرية. لم يكن هناك شيء أفعله أو اسمعه أو أتأمله، وفي كل مكان من حولي لم أجد إلا فراغاً لا نهاية له فى المكان والزمان. أخذت أجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، كما فعلت الأفكار في ذهني، تذهب وتجيء ، تذهب وتجيء مرات ومرات. لكن حتى الأفكار مهما بدت غير ملموسة، تحتاج إلى نقطة ارتكاز لها، وإلا تبدأ في الدوران حول نفسها بلا معنى، فهي أيضاً لا تطيق الفراغ. أنتظر أن يحدث شيء من الصباح إلى المساء، لكن لا شيء يحدث.ثم أنتظر وأنتظر. ولا شيء يحدث. أنتظر وأنتظر واتنظر، والأفكار تدور وتدور وتدور إلى أن أشعر بألم في صدغيّ. لا شيء يحدث أظل وحيداً، وحيداً، وحيداً

*بقيت على هذا الحال أربعة عشر يوماً، عشت خلالها خارج الزمن، خارج العالم، لو أن حرباً اندلعت لما عرفت بها.

نهاية المداد:

تِلكَ الطَبيعَةُ قِف بِنا يا ساري

حَتّى أُريكَ بَديعَ صُنعِ الباري

الأَرضُ حَولَكَ وَالسَماءُ اِهتَزَّتا

لِرَوائِعِ الآياتِ وَالآثارِ

 

 أحمد شوقي