حماية حقل هجليج.. ما حقيقة الاتفاق؟
تقرير- الطيب عباس:
كشفت مصادر واسعة الإطلاع لصحيفة (أصداء سودانية) حقيقة ما دار في موضوع حماية حقل هجليج عقب سيطرة مليشيا الدعم السريع عليه مطلع ديسمبر الجاري.
وكذبت المصادر ما شاع عن اتفاق ثلاثي بين رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت وقائد المليشيا محمد حمدان حميدتي، مشيرة إلى أن اتفاق مثل هذا لم يتم مطلقا سواء كان مباشر أو غير مباشر، وأن حقيقة ما جرى هو مجرد تفاهمات ثنائية غير مكتوبة بين مدير مخابرات دولة جنوب السودان ونائب قائد مليشيا الدعم السريع، المتمرد عبد الرحيم دقلو، حول سلامة منطقة هجليج، وأكدت المصادر أن هذه التفاهمات تمت في سبتمبر الماضي قبل ثلاثة أشهر من احتلال المليشيات لهجليج، وكانت تتلخص حول عدم استهداف المنطقة، وهو ما يفسر أن المليشيات لم تستهدف منطقة هجليج بالمسيرات طيلة فترة حصارها لبابنوسة.
التفاهمات تشير إلى أن الحكومة السودانية لم تكن طرفا في الأمر برمته، لكن مراقبون لا يستبعدون أن تكون دولة جنوب السودان قد أخطرت الحكومة السودانية مسبقا بتوغلها في منطقة هجليج التي تقع تحت السيادة السودانية بهدف المحافظة على المنشآت النفطية، وهو هدف تتفق فيه الخرطوم مع جوبا.
تقاسم عائدات النفط:

الحديث حول هجليج، قاد كذلك إلى تسرب شائعات حول تقاسم عائدات النفط بين الخرطوم وجوبا والمليشيات، وهو ما نفته المصادر نفسها.
وأكد الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد، استنادا إلى مصادر مطلعة، أن ما يتم تداوله عن اتفاق تم عقب زيارة مستشار سلفاكير، توت قلواك لبورتسودان، بين السودان ودولة جنوب السودان والمليشيا لتقاسم عائدات عبور نفط هجليج غير صحيح.
وأوضح عبد الماجد، أنه لم يتم التوقيع على أي اتفاق لقسمة العائدات بحيث تحصل مليشيا التمرد على عوائد شهرية، مشيرا إلى أن الجانب السوداني قدّم مقترحاً شاملاً يتضمن خارطة واضحة وجداول تحفظ سيادة السودان على المنطقة، وأن وفد دولة جنوب السودان برئاسة توت قلواك اعتذر عن مناقشة الرؤية التي قدمها وفد السودان بحجة أن وفدهم لا يضم عسكريين، وعليه تم ترحيل النقاش إلى وقت لاحق.
وأكد عبد الماجد، أن ما تم التوقيع عليه محضر اجتماع وليس اتفاقاً، ووقّع على محضر الاجتماع من جانب دولة السودان، عضو مجلس السيادة، الفريق أول شمس الدين الكباشي وعن دولة جنوب السودان المستشار توت قلواك.
مراقبون يستبعدون تماما، وجود أي اتفاق حول المحافظة على هجليج أو تقاسم عائدات النفط بين الحكومة ودولة الجنوب والمليشيات.
وقال أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور الفاضل محمد محجوب، إن الجيش السوداني لن يورط نفسه في اتفاق مثل هذا تتحصل بموجبه المليشيا على اعتراف رسمي، حتى ولو كان المقابل هو تدمير منطقة هجليج، مشيرا إلى أن كل مافعله الجيش هو سحب قواته من هجليج، للحفاظ على المنشآت النفطية وترك أي تفاهمات لدولة جنوب السودان، باعتبارها صاحبة المصلحة الأكبر في عبور بترولها، وأوضح دكتور الفاضل أن السودان استمر لأكثر من 14 شهرا دون عوائد مرور النفط، وحقق انتصارات في الميدان ونوعا من الاستقرار في الاقتصاد، سيما في الربع الأخير من 2023 وحتى مطلع 2025، وأنه يستطيع الصمود لأطول من ذلك في ظل غياب عائدات النفط، مشيرا إلى أن هذه الحيثيات تجعل وضع الجيش غبر مقلق حتى يضطر لمنح اعتراف مجاني لمليشيا وحفنة مرتزقة بعقد اتفاق معها لحماية منشآت النفط.
ولا يتوقع دكتور الفاضل، أن يكون هناك جديد في مسألة تقاسم عائدات النفط بين السودان وجنوب السودان، وأن الإمور ستظل على ماهو عليه، معتبرا أن مسألة تشغيل الحقل متروكة لدولة جنوب السودان المتضرر الأول من وقف تدفق النفط.
زيارة توت قلواك:

لم تكن زيارة المستشار الأمني لسلفاكير، توت قلواك لبورتسودان، الثلاثاء، بعيدة عن ملف هجليج، حيث أجرى قلواك مباحثات مع الجانب السوداني تتعلق بتعزيز التنسيق في تأمين وتشغيل وإدارة حقل النفط في هجليج بولاية غرب كردفان، كما اتفقا على تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة.
ولم يتطرق البيان المشترك الذي صدر عقب ختام المباحثات لأي تفاصيل بشأن الاتفاق، مكتفيا بالقول أن المباحثات مع وزارة النفط كانت مثمرة وهدفت لتعزيز التعاون والتشاور والتنسيق بين البلدين في مجالات النفط المختلفة.
وأوضح البيان أن المباحثات شملت تأمين وتشغيل وإدارة حقول النفط في هجليج، خاصة بعد الاعتداءات التي تعرّضت لها المنطقة مؤخرًا.
يرجح أستاذ العلوم السياسية دكتور الفاضل محمد محجوب، أن تتولى دولة جنوب السودان حماية وتشغيل حقول النفط، خلال الفترة القليلة المقبلة، مشيرا إلى أن الأمر سيتم دون ما هو متداول عن اقتسام العائدات مع مليشيا الدعم السريع، وأوضح دكتور الفاضل أن ذلك ممكنا، لأن المليشيا لا ترغب في خسارة دولة جنوب السودان على الأقل في الوقت الراهن، حيث يمثل الجنوب معبرا مهما للسلاح الإماراتي القادم لمليشيا الدعم السريع بعد تعذر نقله عبر بعد وبعد المسافة بين شرق ليبيا ومناطق جنوب وغرب كردفان حيث تنشط العمليات العسكرية.
وأيا كان الكيفية التي ستبدأ بها عمليات إعادة ضخ النفط مرة أخرى، فإن مراقبون يؤكدون أنها لن تكون عبر اتفاق ثلاثي، وأن الجيش السوداني لو يتورط في أي اتفاق تحصل بموجبه المليشيا على ما هو أكبر من عوائد النفط، حيث أن الاتفاق يعني منح شتات المليشيا قبلة الحياة وإعادة تصديرها للمشهد كجسم شرعي يمكن التفاهم والاتفاق معهد وهو ما يتناقض تماما مع سياسية الجيش منذ بدء الحرب، والتي ترفض بشكل حاسم منح أي مشروعية لمجموعة من اللصوص والمرتزقة.