آخر الأخبار

الخرطوم والرياض… تعاون أم تكامل؟

شهدت علاقاتهما ثلاثة أحداث جوهرية

تقرير- الطيب عباس:
ثلاثة أحداث متفرقة شهدها الأسبوع الماضي، أظهرت تحولا نوعيا كبيرا في العلاقات السودانية السعودية، التي لم تنقطع تماما طوال تاريخها ولم تكن كذلك وفق طموح البلدين وأمنهما المشترك، وفقا لقرائن الأحوال
ويمكن القول عطفا على تسلسل الأحداث، إن طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بالتدخل لإنهاء حرب السودان، وما تلا ذلك من زيارة البرهان للمملكة ولقائه بن سلمان، مثل ذروة تطور هذه العلاقة بين البلدين.
ويرى مراقبون أن مصائب الحرب في السودان نبهت القيادة السعودية للخطر المحدق على بوابة البحر الأحمر، الذي يمثل شريانا رئيسيا وممرا حيويا لصادرات السعودية، مشيرين إلى أن المملكة ربما أدركت مؤخرا أن الحرب في السودان والتي تمولها جارتها اللدود، لا تهدف لقلب نظام الحكم فقط، وإنما ستمتد لتخريب الأمن القومي السعودي نفسه على البحر الأحمر، ما دفع الرياض إلى التحرك لإنهاء الحرب وفق رؤيتها المساندة لمؤسسات الدولة السودانية.
وعطفا على هذه الرؤية تحركت الرياض في مسارات مختلفة ومتسارعة نحو السودان في خطوة يعتبرها مراقبون تحولا كبيرا في سياسة المملكة التوافقية التي درجت عليها منذ سنوات طويلة.. ويرى المراقبين أن التطورات المتسارعة في اليمن وسعي أبو ظبي لخنق الرياض في حدودها الجنوبية، دفع المملكة لاستباق أبو ظبي في ملف السودان وتأمينها حدودها الغربية وإبعاد مليشيا حميدتي التي ترعاها أبو ظبي.
من هذه التدخلات والتي تمثل أحد الأحداث الثلاثة التي تشير لتطور العلاقة بين الخرطوم والرياض، هو ما ذكرته وكالة بلومبيرغ عن مصادر مطلعة، عن قيام السعودية خلال الأسبوع الحالي بتنسيق مع الحكومة المصرية ل‎تقييد مرور الطائرات الإماراتية المشتبه في نقلها إمدادات لوجستية لمليشيا الدعم السريع عبر أجواء البلدين.
الخطوة عززها مهتمين بتتبع مسار الطيران، حيث أشاروا إلى أن أبو ظبي لجأت مؤخرا لتغيير مسار رحلاتها إلى ليبيا عبر أجواء دول إفريقيا جنوب الصحراء في رحلة طويلة تمتد لنحو ثمانية ساعات وصولا لشرق ليبيا، بعد تعثر المرور عبر أجواء المملكة ومصر.
التعاون الأمني امتد وفقا لأخبار نقلتها رويترز للأنباء، تفيد بأن المملكة العربية السعودية تدعم القوات المسلحة السودانية سياسياً ومالياً، وتعمل على تسهيل صفقة أسلحة كبرى بين السودان وباكستان، تشمل طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة بقيمة 1.5 مليار دولار، في خطوة لمواجهة الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع.
ويعتبر مراقبون، الخطوة السعودية قوية ومفاجئة وتعكس رغبة المملكة في محاصرة أبو ظبي ومنعها من التدخل في حرب السودان، كما تعكس التوجه السعودي الجديد والحقيقي تجاه الخرطوم، والذي لن ينتهي عن إغلاق الأجواء أمام الطيران الإماراتي فحسب وإنما سيمتد لخطوات أكبر.
من الأحداث الثلاثة أيضا، هو اللقاء الضخم الذي جرى أمس، بين الأمير نايف بن عبد الله بن عبد العزيز مع وزير المعادن السوداني نور الدائم طه، والذي انتهى إلى إعلان المملكة واستعدادها لشراء الذهب السوداني والدخول في شراكات فورية في قطاع التعدين.
وأكد الأمير نايف خلال اللقاء، بحسب بيان لوزارة المعادن السودانية، اهتمامه وبلاده بالدخول في مجالات استثمارية متعددة بالسودان، مشيرًا إلى أهمية تطوير الشراكات الاقتصادية وتعزيز الاستثمارات النوعية بما يسهم في دعم الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة.
اللقاء بين الأمير والوزير، يأتي بحسب وزارة المعادن في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين السودان والمملكة العربية السعودية بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم مسار التنمية في البلدين الشقيقين.
الموافقة السعودية على شراء الذهب السوداني تحسم بحسب مراقبين الجدل القائم في الخرطوم حول تصدير الذهب إلى دبي، وتحول هذه الثروة الكبيرة إلى المملكة بدلا عن أبو ظبي، معتبرين أن الخطوة ستحقق فائدة قصوى للرياض والخرطوم على السواء، كما تقطع أي صلة تواصل في هذا الملف مع أبو ظبي الجار الغادر للمملكة.
الحدث الثالث الذي توج هذه التطورات، هو إعلان رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمس، إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الإستراتيجي بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية.
وقال مجلس السيادة الإنتقالي في بين، إن هذا القرار يأتي بناءً على ما تم الاتفاق عليه خلال لقاء البرهان مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في ديسمبر الماضي، وذلك في إطار سعي البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى آفاق إستراتيجية تشمل المجالات كافة.
وقال الكاتب والباحث دكتور عثمان حمد، إن المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي يمثل إطاراً مؤسسياً محورياً يهدف إلى توحيد الرؤى وتنسيق السياسات بين السودان والمملكة العربية السعودية، وتوسيع مجالات الشراكة لتشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويعزز الاستقرار في الإقليم.
وأوضح عثمان، أن إعادة تشكيل المجلس توجهاً واضحاً نحو فتح مرحلة جديدة من العلاقات السودانية السعودية، تقوم على الشراكة طويلة الأمد والتنسيق المنتظم، مستندة إلى العلاقات التاريخية والروابط الاستراتيجية التي تجمع الخرطوم والرياض، مع التركيز على تحقيق مصالح متبادلة واستثمار الفرص المشتركة في مختلف القطاعات.
من جانبه يرى الباحث والأكاديمي، د. منير سراج الدين، أن إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الإستراتيجي بين السودان والسعودية يوضح الرغبة في تفعيل وتعميق العلاقات الثنائية بين البلدين والارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة.
وأوضح أنه يهدف بالدرجة الأولة إلى تنسيق السياسات وتوسيع الشراكة في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية لتحقيق المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
واعتبر د. سراج الدين، أن إعادة تشكيل المجلس تمثل خطوة عملاقة في علاقة البلدين ويعتبر مؤشر لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، وذلك بزيادة الاستثمارات السعودية في السودان، خاصة في البنية التحتية، والطاقة، والزراعة، بجانب تنسيق المواقف السياسية وتوحيد الرؤى حول القضايا المشتركة ودعم الاستقرار والأمن من خلال تعزيز التعاون الأمني، معتبرا أن القرار في مجمله يعكس توجهاً لفتح مرحلة جديدة من الشراكة طويلة الأمد بين البلدين.
تمثل هذه المسارات الثلاثة ذات الطابع الاقتصادي والأمني والسياسي، تحولا كبيرا في السياسة السعودية تجاه السودان، فيا توقع خبراء أن ينعكس هذا التحول في جميع المسارات المتبقية وتصل الدولتين لمرحلة التكامل الاقتصادي والأمني والسياسي.