آخر الأخبار

السودان لا يفتقد الحوار… بل يفتقد الاتفاق على معنى الحوار

عمرو خان

*تواجه مسارات الحوار السياسي في السودان، سواء تلك التي تُدار داخليًا بين القوى الوطنية، أو التي تُطرح عبر أطر إقليمية ودولية مثل (الرباعية)و(الخماسية)، حالة من التعقيد المتزايد في ظل تباين حاد في الرؤى وغياب أرضية توافقية جامعة بين الفاعلين السياسيين والعسكريين والمدنيين.

*فمنذ تفاقم الأزمة السودانية واتساع رقعة الصراع، لم يعد الحوار مجرد أداة سياسية تقليدية لإدارة الخلاف، بل أصبح مسارًا شديد الحساسية يرتبط بإعادة تعريف الدولة نفسها، وشكل السلطة، وتوازنات الانتقال السياسي. وفي هذا السياق، تبدو كل محاولة للحوار وكأنها تتحرك داخل حقول متقاطعة من المصالح، بعضها داخلي متجذر، وبعضها الآخر مرتبط بتقاطعات إقليمية ودولية معقدة.

*على المستوى الداخلي، تعاني القوى السياسية السودانية من تشرذم واضح، ليس فقط بين المكونات المدنية والعسكرية، بل أيضًا داخل كل معسكر على حدة.. فالقوى المدنية لا تبدو متفقة على تصور موحد للمرحلة الانتقالية، كما أن المكونات العسكرية بدورها ليست كتلة واحدة منسجمة، إذ القوات المسلحة السودانية بدورها سعت وما زالت تسعي إلى دمج جميع القوات المشتركة الداعمة في الحرب ضد تمرد ميليشيا الدعم السريع، ولكن الأكيد هو أن  بعض من هذه المكونات المسلحة لديها رؤيتها الخاصة لمستقبل السلطة.. هذا الانقسام البنيوي يجعل أي حوار سوداني–سوداني عرضة للتعثر حتى قبل أن يبدأ فعليًا، لأن الأطراف تدخل إلى طاولة التفاوض وهي محملة بحسابات متعارضة، لا بنقاط التقاء واضحة.

*أما على مستوى المسارات الخارجية، فإن أطر مثل الرباعية والخماسية تمثل محاولات لإدارة الأزمة من الخارج عبر خلق مظلة ضغط دولي وإقليمي لدفع الأطراف نحو التفاوض. غير أن هذه المسارات، رغم أهميتها في كبح التصعيد، تصطدم غالبًا بإشكالية الملكية السياسية للحل، حيث تنظر بعض القوى السودانية إليها باعتبارها تدخلًا غير مباشر في صياغة مستقبل البلاد، بينما تراها أطراف أخرى فرصة ضرورية لكسر الجمود الداخلي.

*الإشكال الجوهري هنا أن تعدد المسارات الحوارية لم ينتج حتى الآن مسارًا جامعًا، بل أحيانًا أسهم في مزيد من التشظي، إذ بات كل طرف يراهن على منصة مختلفة أو داعم مختلف، ما عمّق الانقسام بدل أن يخففه. وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق الحوار، بل في توحيد مرجعيته وأهدافه وآلياته.

*في هذا السياق المعقد، يصبح الانخراط الفعلي في أي مسار سياسي مرهونًا بثلاثة شروط أساسية: أولها، وجود حد أدنى من الاعتراف المتبادل بين الأطراف الفاعلة، بما يعني قبول الآخر كجزء من المعادلة وليس كخصم يجب إقصاؤه. ثانيها، الاتفاق على أولويات المرحلة، وعلى رأسها وقف الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية باعتبارها مدخلًا لأي تسوية سياسية. وثالثها، تقليص الاعتماد على المسارات المتوازية لصالح دمجها في إطار تفاوضي واحد أو على الأقل متناسق.

*كما أن نجاح أي حوار، داخليًا كان أو خارجيًا، يتطلب إعادة بناء الثقة السياسية، وهي النقطة الأكثر هشاشة في المشهد السوداني الراهن. فغياب الثقة يجعل كل اتفاق مؤقتًا، وكل تفاهم عرضة للانهيار عند أول اختبار عملي. لذلك فإن بناء ضمانات تنفيذية واضحة، وآليات رقابة ومتابعة، قد يكون أكثر أهمية من الاتفاقات نفسها.

*في المحصلة، يمكن القول إن الأزمة السودانية لم تعد أزمة “غياب حوار”، بل أزمة “تعدد حوارات بلا تقاطع”. وإذا لم يتم الانتقال من منطق المسارات المتوازية إلى منطق الإطار الجامع، فإن أي جهود سواء داخلية أو عبر الرباعية والخماسية ستظل تدور في دائرة إدارة الأزمة لا حلها.

*وهو ما يجعل اللحظة الراهنة اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى السودانية، ومعها الفاعلين الإقليميين والدوليين، على إنتاج صيغة جديدة للحوار لا تكتفي بوقف الحرب، بل تفتح أفقًا لإعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر استقرارًا وشمولًا

*كاتب صحفي مصري